قَوْله تَعَالَى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} .
قَالَ الْعُلَمَاءُ: كَانَ هَذَا سُجُودَ تَحِيَّةٍ لَا سُجُودَ عِبَادَةٍ، وَهَكَذَا كَانَ سَلَامُهُمْ بِالتَّكْبِيرِ وَهُوَ الِانْحِنَاءُ، وَقَدْ نَسَخَ اللَّهُ فِي شَرْعِنَا ذَلِكَ، وَجَعَلَ الْكَلَامَ بَدَلًا عَنْ الِانْحِنَاءِ وَالْقِيَامِ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ كَفَّرَتْ أَعْضَاؤُهُ اللِّسَانَ، تَقُولُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا، فَإِنَّك إنْ اسْتَقَمْت اسْتَقَمْنَا، وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا} .
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُ فِي الْإِشَارَةِ بِالْإِصْبَعِ؟ قُلْنَا: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللِّسَانَ يَكْفِي فِي السَّلَامِ، وَأَمَّا حَرَكَةُ الْبَدَنِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَمْ يُشْرَعْ فِي السَّلَامِ، لَا تَحْرِيكُ يَدٍ [وَلَا قَدَمٍ] وَلَا قِيَامُ بَدَنٍ.
الثَّانِي: أَنَّ رَدَّ السَّلَامِ فَرْضٌ، وَابْتِدَاؤُهُ سُنَّةٌ فِي مَشْهُورِ الْأَقْوَالِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ الْقِيَامُ لِلرَّجُلِ الْكَبِيرِ بُدَاءَةً إذَا لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، كَمَا {قَالَ النَّبِيُّ لِجُلَسَائِهِ حِينَ جَاءَ سَعْدٌ: قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ} ؛ فَإِنْ أَثَّرَ فِيهِ لَمْ يَجُزْ عَوْنُهُ عَلَى ذَلِكَ، لِمَا رُوِيَ: {مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ} .