قَوْله تَعَالَى: {ارْجِعُوا إلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الشَّهَادَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِالْعِلْمِ عَقْلًا وَشَرْعًا، فَلَا تُسْمَعُ إلَّا مِمَّنْ عَلِمَ، وَلَا تُقْبَلُ إلَّا مِنْهُ.
وَمَرَاتِبُ الْعِلْمِ فِي طُرُقِهِ مُخْتَلِفَةٌ، وَلَكِنَّهُ يَعُودُ إلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ تَعَلُّقُهُ بِالْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ، فَإِذَا نَسِيَ الشَّهَادَةَ فَذُكِّرَ بِهَا وَتَذَكَّرَهَا أَدَّاهَا، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: {أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْهَا لَمْ يُؤَدِّهَا عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إنْ عَرَفَ خَطَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ قَالُوا: يُؤَدِّيهَا وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُؤَدِّيَ مِنْهَا مَا عَلِمَ وَهُوَ خَطُّهُ، وَيَتْرُكَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَلْيُنْظَرْ فِيهَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إذَا ادَّعَى الرَّجُلُ شَهَادَةً لَا يَحْتَمِلُهَا عُمْرُهُ وَلَا حَالُهُ رُدَّتْ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى بَاطِنًا مَا كَذَّبَهُ الْعِيَانُ ظَاهِرًا.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: شَهَادَةُ الْمُرُورِ: وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: مَرَرْت بِفُلَانٍ فَسَمِعْته، فَإِنْ اسْتَوْعَبَ الْقَوْلَ شَهِدَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ.
وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ لَا يَشْهَدُ حَتَّى يُشْهِدَاهُ.
وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ الشَّهَادَةُ عِنْدَ الِاسْتِيعَابِ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ.