ومن فوائد الإمام ابن رجب الحنبلي في السورة الكريمة:
قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)
قولُ اللَّه تعالى: (لَهُ معَقِّبَاتٌ منْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) الآية.
قال ابنُ عباسِ - رضي الله عنهما -: همُ الملائكةُ يحفظونه بأمرِ اللَّهِ فإذا جاء القدرُ خلَّوا عنه.
وقال عليّ رضي اللَّهُ عنه: إنَّ معَ كل رجلِ ملكينِ يحفظانِه مما لم يقدَّرْ.
فإذا جاءَ القدرُ خليَّا بينه وبينه، وإن الأجلَ جُنَّة حصينة.
وقال مجاهدٌ: ما من عبدٍ إلا له ملكٌ يحفظُه في نومِهِ ويقظتِهِ من الجن
والإنسِ والهوامِّ، فما منْ شيء يأتيه إلا قالَ: وراءَك، إلا شيئًا قد أذِنَ اللَّهُ
فيه فيصيبُه.
ومن حفظِ اللَّهِ للعبدِ: أن يحفظَهُ في صحةِ بدنِهِ وقوتِهِ وعقلِهِ ومالِهِ.
قال بعضُ السلفِ: العالمُ لا يحزن.
وقال بعضهمُ: من حفظَ القرآن متِّعَ بعقلِهِ.
وتأوَّلَ ذلك بعضُهم على قولِهِ تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) .
وكان أبو الطيبِ الطبريُّ قد جاوزَ المائةَ سنة وهو ممتعٌ بعقلِهِ وقوتِهِ، فوثبَ
يومًا من سفينة كان فيها إلى الأرضِ وثبةً شديدةً، فعوتبَ على ذلكَ، فقال:
هذه جوارحٌ حفظنَاها في الصغرِ، فحفظَها اللَّهُ علينا في الكِبَرِ.
وعكسُ هذا أن الجنيدَ رأى شيخًا يسألُ الناسَ فقالَ: إنَّ هذا ضيع اللَّهَ في
صغرِهِ، فضيعه اللَّهُ في كبره.
وقد يحفظُ اللَّهُ العبدَ بصلاحِهِ في ولدِهِ وولدِ ولدهِ، كما قيلَ في قولهِ
تعالى: (وَكَانَ أَبوهُمَا صَالِحًا) : إنَّهما حفظا بصلاح أبيهما.
وقال محمدُ بنُ المنكدرِ: إنَّ اللَّهَ ليحفظ بالرجلِ الصالح ولدَه وولدَ ولدِهِ
وقريتَهُ التي هو فيها، والدويراتِ التي حولها فما يزالونَ في حفظِ اللَّهِ
وستره.
وقال ابنُ المسيبِ لابنِهِ: يا بني، إني لأزيدُ في صلاتِي من أجلِكَ، رجاءَ
أن أحفظَ فيكَ، وتلا هذه الآية: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) .
وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمهُ اللَّهُ: ما منْ مؤمن يموتُ إلا حفظَهُ اللَّهُ
تعالى في عقبِهِ وعقبِ عقبِهِ.
وقال يحيى بن إسماعيلَ بنِ سلمةَ بنِ كُهيْلٍ: كان لي أختٌ أسنُّ منِّي.
فاختلطتْ وذهب عقلُها وتوحشتْ، وكانت في غرفة في أقصى سطوحِنا