فمكثتْ بذلك بضْعَ عشرة سنةً، فبينما أنا نائمٌ ذاتَ ليلةٍ إذا بابٌ يدقُّ نصفَ الليلِ، فقلتُ: من هذا؛ قالتْ: كجه، فقلتُ: أختِي؛ قالتْ أختُكَ، ففتحتُ البابَ فدخلتْ ولا عهدَ لها بالبيتِ أكثرَ من عشر سنين.
فقالتْ: أتيتُ الليلةَ في منامِي فقيلَ لي: إنّ اللَّهَ حفظَ أباك إسماعيلَ لسلمةَ جدِّك، وحفظكِ لأبيكَ إسماعيلَ، فإن شئتِ دعوتُ اللَّهَ فذهبَ ما بِك، وإن شئت صبرتِ ولك الجنةُ، فإن أبا بكرٍ وعمرَ قد شفعا لكِ إلى اللَّهِ عزًّ وجلَّ بحبًّ
أبيك وجدِّكِ إياهُما، فقلتُ: فإذا كان لابدَّ من اختيارِ أحدهما فالصبر على ما أنا فيه والجنةُ، وإن اللَّهَ عزَّ وجلَّ لواسع بخلقِه لا يتعاظَمُهُ شيء ، إن شاءَ أن يجمعَهُما لي فعلَ. قالتْ: فقيل: فإنَّ اللهَ قد جمعَهُمَا لكِ ورضِيَ عن أبيكِ
وجدّكِ بحبهما أبا بكرٍ وعمرَ - رضي الله عنهما - ، قومِي فأنزلِي، فأذهبَ اللَّهُ تعالى ما كانَ بها.
ومتى كان العبدُ مشتغلاً بطاعةِ اللَّهِ فإنَّ اللَّهَ تعالى يحفظُه في تلكَ الحالِ
كما في"مسندِ الإمامِ أحمدَ"عن حميدِ بنِ هلالٍ عن رجلٍ قالَ: أتيتُ
النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو يريني بيتًا، فقالَ:"إنَّ امرأةً كانتْ فيه فخرجتْ في سريةٍ من المسلمينَ وتركتْ ثنتي عشرةَ عنزًا وصيصيتها كانت تسبحُ بها، قال: ففقدَتْ عَنْزًا من غنمها وصيصيتها، فقالتْ: يا ربِّ إنَّك قد ضمنتَ لمن خرجَ في سبيلكَ أن تحفظ عليه."
وإني قد فقدتُ عنزًا من غنمي وصيصيتي، وإني أنشدكُ عنزي وصِيصيتي"قال: فجعلَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يذكرُ شدةَ مناشدتِهَا ربَّها تباركَ وتعالى."
قالَ رسولُ - صلى الله عليه وسلم -:
"فأصبحتْ عنزُها ومثلُها وصيصيتُها ومثلُها. وهاتيكَ، فأتها"قال: فقلتُ: بل أصدِّقك"."
وكان شيبان الراعِي يرعى غنمًا، فإذا جاءتِ الجمعةُ خطَّ عليها خطًا
وذهبَ إلى الجمعةِ ثم يرجعُ وهي كما تركها.
وكان بعضُ السلفِ بيدهِ الميزانُ يزنُ بها دراهِم فسمعَ الأذانَ فنهضَ ونفضَهَا
على الأرضِ وذهبَ إلى الصلاةِ، فلما عادَ جمعها فلم يذهبْ منها شيء .
ومن أنواع حفظِ اللَّهِ لمن حفظَهُ في دنياهُ: أن يحفظَهُ من شرِّ كل من يريدُه
بأذًى من الجنِّ والإنسِ، كما قالَ تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخرَجًا) .
قالتْ عائشةُ - رضي الله عنها -: يكفيه غمَّ الدنيا وهمَّها.