{لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى ... (18) }
ولما ضرب الله سبحانه وتعالى هذين المثلين ذكر حكم من استجاب له ورفع بهداه رأساً، وحكم من لم يستجب له ولم يرفع بهداه رأساً، فقال: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18) }
والمقصود أن الله تعالى جعل الحياة حيث النور، والموت حيث الظلمة، فحياة الوجودين الروحي والجسمي بالنور، وهو مادة الحياة كما أنه مادة الإضاءة، فلا حياة بدونه كما لا إضاءة بدونه، وكما به حياة القلب فيه انفساحه وانشراحه وسعته، كما في الترمذي «عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح قالوا: وما علامة ذلك؟ قال الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله» .
ونور العبد هو الذي يصعد عمله وكلمه إلى الله تعالى، فإن الله تعالى لا يصعد إليه من الكلم إلا الطيب، وهو نور ومصدر عن النور.
ولا من العمل إلا الصالح، ولا من الأرواح إلا الطيبة وهي أرواح المؤمنين التي استنارت بالنور الذي أنزله على رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والملائكة الذين خلقوا من نور، كما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها وعن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «خلقت الملائكة من نور، وخلقت الشياطين من نار، وخلق آدم مما وصف لكم»
فلما كانت مادة الملائكة من نور كانوا هم الذين يعرجون إلى ربهم تبارك وتعالى وكذلك أرواح المؤمنين هي التي تعرج إلى ربها وقت قبض الملائكة لها، فيفتح لها باب السماء الدنيا ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة إلى أن ينتهي بها إلى السماء السابعة، فتوقف بين يدي الله عز وجل، ثم يأمر أن يكتب كتابه في أهل عليين، فلما كانت هذه الروح روحاً زاكية طيبة نيرة مشرقة صعدت إلى الله عز وجل مع الملائكة.