قوله تعالى: {وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ}
تقدّم معنى الاستهزاء في"البقرة"ومعنى الإملاء في"آل عمران"أي سُخِر بهم، وأزْرِي عليهم؛ فأمهلت الكافرين مدة ليؤمن من كان في علمي أنه يؤمن منهم؛ فلما حقّ القضاء أخذتهم بالعقوبة.
{فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} أي فكيف رأيت ما صنعت بهم، فكذلك أصنع بمشركي قومك.
قوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} ليس هذا القيام القيام الذي هو ضدّ القعود، بل هو بمعنى التولّي لأمور الخلق؛ كما يقال: قام فلان بشغل كذا؛ فإنه قائم على كل نفس بما كسبت أي يقدرها على الكسب، ويخلقها ويرزقها ويحفظها ويجازيها على عملها؛ فالمعنى: أنه حافظ لا يغفل، والجواب محذوف؛ والمعنى: أفمن هو حافظ لا يغفل كمن يغفل.
وقيل:"أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ"أي عالم؛ قاله الأعمش.
قال الشاعر:
فلولا رِجالٌ من قريشٍ أَعِزّة ... سَرَقْتُمْ ثيابَ البيتِ واللَّهُ قائمُ
أي عالم؛ فالله عالم بكسب كل نفس.
وقيل: المراد بذلك الملائكة الموكلون ببني آدم، عن الضحاك.
{وَجَعَلُواْ} حال؛ أي أو قد جعلوا، أو عطف على"اسْتُهْزِئَ"أي استهزؤوا وجعلوا؛ أي سَمّوا {للَّهِ شُرَكَآءَ} يعني أصناماً جعلوها آلهة.
{قُلْ سَمُّوهُمْ} أي قل لهم يا محمد:"سَمُّوهُمْ"أي بيّنوا أسماءهم، على جهة التهديد؛ أي إنما يسمّون: اللاّت والعُزّى وَمَنَاة وهُبَل.
{أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأرض} "أم"استفهام توبيخ، أي أتنبئونه؛ وهو على التحقيق عطف على استفهام متقدّم في المعنى؛ لأن قوله:"سَمُّوهُمْ"معناه: أَلَهُمْ أسماء الخالقين.
"أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ".
وقيل: المعنى قل لهم أتنبئون الله بباطن لا يعلمه.