قال - عليه الرحمة:
قوله جلّ ذكره: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} .
أي أرسلنا رسلاً من قبلك إلى قومهم، فلم يكونا إِلا من جنسك، وكما لكم أزواج وذرية كانت لهم أزواج وذرية، ولم يكن ذلك قادحاً في صحة رسالتهم، ولا تلك العلاقات كانت شاغلة لهم.
ويقال إن من اشتغل بالله فكثرة العيال وتراكم الأشغال لا تؤثر في حاله؛ ولا يضره ذلك.
قوله جلّ ذكره {لِكُلِّ أَجَلِ كِتَابٌ} .
أي لكل شيء أجل مثبت في كتاب الله وهو المحفوظ، وله وقت قُسِمَ له، وأنه لا اطلاعَ لأحدٍ على علمه، ولا اعتراضَ لأحدٍ على حُكْمه.
{يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39) }
المشيئة لا تتعلق بالحدوث، والمحو والإثبات متصلان بالحدوث.
فصفات ذات الحق - سبحانه - من كلامه وعلمه، وقوْلِه وحُكْمِه لا تدخل تحت المحو والإثبات، وإنما يكون المحو والإثبات من صفات فعله؛ المحوُ يرجع إلى العَدَم، والإثباتُ إلى الإحداثِ، فهو يمحو من قلوب الزُّهاد حُبَّ الدنيا ويُثْبِتُ بَدَلَه الزهدَ فيها، كما في خبر حارثَةَ:"عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حَجَرُها وذَهبُها".
ويمحو عن قلوب العارفين الحظوظَ، ويُثْبِتُ بدلها حقوقَه تعالى، ويمحو عن قلوب المُوحِّدين شهودَ غير الحق ويثبت بَدَلَه شهود الحق، ويمحو آثار البشرية ويثبت أنوار شهود الأحدية.
ويقال يمحو العارفين عن شواهدهم، ويثبتهم بشاهد الحق.
ويقال يمحو العبد عن أوصافه ويثبته بالحقِّ فيكون محواً عن الخْلق مثبتاً بالحق للحق.
ويقال يمحو العبد فلا يجري عليه حكم التدبير، ويكون محواً بحسب جريان أحكام التقدير، ويثبت سلطانَ التصديق والتقليب بإدخال ما لا يكون فيه اختيار عليه على ما يشاء.