قوله: {قل: من رب السماوات} الآية،
جاء السؤال والجواب في هذه الآية من ناحية واحدة، إذ كان السؤال والتقرير على أمر واضح لا مدافعة لأحد فيه ملزم للحجة، فكان السبق إلى الجواب أفصح في الاحتجاج وأسرع في قطعهم من انتظار الجواب منهم، إذ لا جواب إلا هذا الذي وقع البدار إليه، وقال مكي: جهلوا الجواب وطلبوه من جهة السائل فأعلمهم به السائل، فلما تقيد من هذا كله أن الله تعالى هو {رب السماوات والأرض} وقع التوبيخ على اتخاذهم {من دونه أولياء} متصفين بأنهم لا ينفعون أنفسهم ولا يضرونها، وهذه غاية العجز، وفي ضمن هذا الكلام: وتركتموه وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، ولفظة: {من دونه} تقتضي ذلك.
ثم مثل الكفار والمؤمنين بعد هذا بقوله: {قل هل يستوي الأعمى والبصير} .
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم:"تستوي الظلمات"بالتاء، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم:"يستوي"بالياء، فالتأنيث حسن لأنه مؤنث لم يفصل بينه وبين عامله شيء. والتذكير شائع لأنه تأنيث غير حقيقي، والفعل مقدم.
وشبهت هذه الآية الكافر ب {الأعمى} . والكفر ب {الظلمات} وشبهت المؤمن ب {البصير} والأيمان ب {النور} : ثم وقفهم بعد: هل رأوا خلقاً لغير الله فحملهم ذلك واشتباهه بما خلق الله على أن جعلوا إلهاً غير الله؟ ثم أمر محمداً عليه السلام بالإفصاح بصفات الله تعالى في أنه {خالق كل شيء} وهذا عموم في اللفظ يراد به الخصوص في كل ما هو خلق الله تعالى. قال القاضي ابن الطيب وأبو المعالي وغيرهما من الأصوليين: ويخرج عن ذلك صفات ذاته - لا رب غيره - والقرآن، ووصف نفسه ب {الواحد القهار} من حيث لا موجود إلا به، وهو في وجوده مستغن عن الموجودات لا إله إلا هو العلي العظيم. انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 3 صـ}