قوله تعالى: {سواء منكم}
قال ابن الأنباري: ناب"سواءٌ"عن مُستوٍ، والمعنى: مستوٍ منكم {من أسرَّ القول} أي: أخفاه وكتمه {ومن جهر به} أعلنه وأظهره، والمعنى: أن السِرَّ والجهر سواء عنده.
قوله تعالى: {ومن هو مستخفٍ بالليل وسارب بالنهار} فيه قولان.
أحدهما: أن المستخفي: هو المستتر المتواري في ظلمة الليل، والسارب بالنهار: الظاهر المتصرِّف في حوائجه.
يقال: سرَبتِ الإِبل تَسرِب: إِذا مضت في الأرض ظاهرةً، وأنشدوا:
أرى كُلَّ قَوْمٍ قارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِم ...
وَنَحْنُ خَلَعْنَا قَيْدَه فَهْو سَارِبُ
أي: ذاهب.
ومعنى الكلام: أن الظاهر والخفيِّ عنده سواء، هذا قول الأكثرين.
وروى العوفي عن ابن عباس:"ومَنْ هو مستخف"قال: صاحب رِيبة بالليل، فإذا خرج بالنهار، أرى الناسَ أنه بريء من الإِثم.
والثاني: أن المستخفيَ بالليل: الظاهر، والساربَ بالنهار: المستتر، يقال: انسرب الوحش: إِذا دخل في كِناسِهِ، وهذا قول الأخفش، وذكره قطرب أيضاً، واحتج له ابن جرير بقولهم: خَفَيْتُ الشيء: إِذا أظهرتَه، ومنه {أكاد أَخفيها} [طه: 15] بفتح الألف، أي: أُظهرها، قال: وإِنما قيل للمتواري: ساربٌ، لأنه صار في السرَبِ مستخفياً.
قوله تعالى: {له معقبات}
في هاء"له"أربعة أقوال:
أحدها: أنها ترجع إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس.
والثاني: إِلى الملك من ملوك الدنيا، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس.
والثالث: إِلى الإِنسان، قاله الزجاج.
والرابع: إِلى الله تعالى، ذكره ابن جرير، وأبو سليمان الدمشقي.
وفي المعقِّبات قولان:
أحدهما: أنها الملائكة، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والحسن، وقتادة في آخرين.
قال الزجاج: والمعنى: للإنسان ملائكة يعتقبون، يأتي بعضهم بِعَقِب بعض.