قوله تعالى: {سواء منكم} الآية
{سواء} مصدر وهو يطلب بعده شيئين يتماثلان. ورفعه على خبر الابتداء الذي هو"من"والمصدر لا يكون خبراً إلا بإضمار كما قالت الخنساء: [البسيط] : فإنما هي إقبال وإدبار
أي ذات إقبال وإدبار. فقالت فرقة هنا: المعنى: ذو سواء، وقال الزجاج كثر استعمال سواء في كلام العرب حتى جرى مجرى اسم الفاعل فلا يحتاج إلى إضمار.
قال القاضي أبو محمد: هو عندي كعدل وزور وضيف.
وقالت فرقة: المعنى: مستوٍ منكم، فلا يحتاج إلى إضمار.
قال القاضي أبو محمد: وضعف هذا سيبويه بأنه ابتداء بنكرة.
ومعنى هذه الآية: معتدل منكم في إحاطة الله تعالى وعلمه من أسر قوله فهمس به في نفسه، {ومن جهر به} فأسمع، لا يخفى على الله تعالى شيء.
وقوله تعالى: {ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} معناه: من هو بالليل في غاية الاختفاء، ومن هو متصرف بالنهار ذاهب لوجهه، سواء في علم الله تعالى وإحاطته بهما. وذهب ابن عباس ومجاهد إلى معنى مقتضاه: أن"المستخفي والسارب"هو رجل واحد مريب بالليل، ويظهر بالنهار البراءة في التصرف مع الناس.
قال القاضي أبو محمد: فهذا قسم واحد جعل الليل نهار راحته، والمعنى: هذا والذي أمره كله واحد بريء من الرب سواء في اطلاع الله تعالى على الكل، ويؤيد هذا التأويل عطف السارب دون تكرار {من} ولا يأتي حذفها إلا في الشعر و"السارب"- في اللغة - المتصرف كيف شاء، ومن ذلك قول الشاعر: [الأخنس بن شهاب الثعلبي] [الطويل]
أرى كل قوم كاربوا قيد محلهم ... ونحن حللنا قيده فهو سارب
أي متصرف غير مدفوع عن جهة، هذا رجل يفتخر بعزة قومه، ومن ذلك قول الآخر: [قيس بن الخطيم] [الكامل]
إني سربت وكنت غير سروب ... وتقرب الأحلام غير قريب