ومن لطائف ونكات تفسير الواحدي:
سورة إبراهيم
قوله تعالى: {يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ}
قال أهل المعاني: معنى {وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ} : بعد إبطاء؛ لأن العرب تقول: ما كدت أقوم؛ أي: قمت بعد إبطاء، قال تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] يعني: فعلوا بعد إبطاء؛ لتعذر وجودها، فعلى هذا (كاد) ليس بصلة.
وقوله: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} جاز أن تكون صلة؛ لأنه قد قام الدليل عند وصف تكاثف الظلمة على عدم الرؤية، فوضح بذلك أنّ {يَكَدْ} مزيد للتوكيد، والدليل على الإساغة قوله: {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ} [الحج: 20] ولا يكون الضمير إلا بعد الإساغة، وأيضًا فإن قوله: {يَتَجَرَّعُهُ} يدل على أنهم أساغوا منه الشيء بعد الشيء ، فكيف أن يصح أن يقال بعده: لا يُسيغه، ألبتة.
«فإن قيل» : فكيف وجه ما قاله المفسرون؟
قيل: يُحْمل على وجهين؛ أحدهما: ذكره ابن الأنباري وهو أن المعنى: ولا يُسيغ جمْعه؛ كأنه يَجْرع البعض، ولم يُسغ الجميع لمرارته، فوقع الجحدُ بعد إثباتِ التَّجرعِ؛ على معنى إساغة الكل.
الوجه الثاني: أن معنى الإساغة في اللغة: إجراء الشراب في الحلق على تَقَبُّل النَّفْس واستطابة المشروب، والكافر يتجرع ذلك الشراب علي كراهته ولا يُسيغه أي: لا يستطيعه ولا يشربه شُربًا بمرة واحدة، فعلى ما ذكرنا من الوجهين يصح أن تكون (يكاد) صلة على ما ذكره المفسرون، وقول من لم يجعل (يكاد) صلةً أمثل.
وقوله تعالى: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ}
ذكر أهل المعاني في {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ} وجهين:
أحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف؛ على معنى: ويأتيه هَمُّ الموت وألمُه وكربُه؛ لأنه يستحيل أن يأتيه الموت؛
عين الموت ثم لا يموت، وقد قال الله: {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} .