{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) }
وَالشُّكْرُ مَعَهُ الْمَزِيدُ أَبَدًا. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}
فَمَتَى لَمْ تَرَ حَالَكَ فِي مَزِيدٍ. فَاسْتَقْبِلِ الشُّكْرَ.
وَفِي أَثَرٍ إِلَهِيٍّ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ «أَهْلُ ذِكْرِي أَهْلُ مُجَالَسَتِي، وَأَهْلُ شُكْرِي أَهْلُ زِيَادَتِي، وَأَهْلُ طَاعَتِي أَهْلُ كَرَامَتِي، وَأَهْلُ مَعْصِيَتِي لَا أُقَنِّطُهُمْ مِنْ رَحْمَتِي. إِنْ تَابُوا فَأَنَا حَبِيبُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا فَأَنَا طَبِيبُهُمْ. أَبْتَلِيهِمْ بِالْمَصَائِبِ، لِأُطَهِّرَهُمْ مِنَ الْمَعَايِبِ» .
وَقِيلَ: مَنْ كَتَمَ النِّعْمَةَ فَقَدْ كَفَرَهَا. وَمَنْ أَظْهَرَهَا وَنَشَرَهَا فَقَدْ شَكَرَهَا.
وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» .
وَفِي هَذَا قِيلَ:
وَمِنَ الرَّزِيَّةِ أَنَّ شُكْرِيَ صَامِتٌ ... عَمَّا فَعَلْتَ وَأَنَّ بِرَّكَ نَاطِقُ
وَأَرَى الصَّنِيعَةَ مِنْكَ ثُمَّ أُسِرُّهَا ... إِنِّي إِذًا لِنَدَى الْكَرِيمِ لَسَارِقُ
(فصل)
النعم ثَلَاثَة:
نعْمَة حَاصِلَة يعلم بهَا العَبْد، ونعمة منتظرة يرجوها، ونعمة هُوَ فِيهَا لَا يشْعر بهَا ..
فَإِذا أَرَادَ الله إتْمَام نعْمَته على عَبده عرّفه نعْمَته الْحَاضِرَة، وَأَعْطَاهُ من شكره قيدا يقيدها بِهِ حَتَّى لَا تشرد، فَإِنَّهَا تشرد بالمعصية، وتقيّد بالشكر.
ووفقه لعمل يستجلب بِهِ النِّعْمَة المنتظرة، وبصَّره بالطرق الَّتِي تسدها وتقطع طريقها، ووفقه لاجتنابها.
وَإِذا بهَا قد وافت إِلَيْهِ على أتم الْوُجُوه، وعرّفه النعم الَّتِي هُوَ فِيهَا فَلَا يشْعر بهَا.
ويحكى أَن أَعْرَابِيًا دخل على الرشيد فَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ ثبّت الله عَلَيْك النعم الَّتِي أَنْت فِيهَا بإدامة شكرها وحقق لَك النعم الَّتِي ترجوها بِحسن الظَّن بِهِ ودوام طَاعَته، وعرّفك النعم الَّتِي أَنْت فِيهَا وَلَا تعرفها لتشكرها.
فأعجبه ذَلِك مِنْهُ وَقَالَ مَا أحسن تقسيمه.