قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ...(13) .
رسل الله - جلَّ جلالُه - إلى عباده نعمة منه عليهم توجه عليهم واجب شكرها، فإن كذبوهم وأخرجوهم من بينهم فقد بدلوا نعمة اللَّه كفرًا، وكذلك شواهده وآياته ودلائله في سماواته وأرضه، فتعاموا عنها وتبالهوا وكذبوا، فقد بدلوا نعمة الله كفرًا،
وأحلوا قومهم دار البوار، وهو العذاب في الدنيا والآخرة.
يقول جلَّ من قائل: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ(13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ... (14) .
وقد صدقهم اللَّه وعده ونصر حزبه، فأهلك أعداءه وأسكنهم الأرض من بعدهم، والحمد لله رب العالمين.
يقول الله جلَّ من قائل: (ذَلِكَ) أي: من وعدي هذا (لِمَنْ خَافَ مَقَامِي)
أي: مراقبتي (وَخَافَ وَعِيدِ) .
(وَاسْتَفْتَحُوا ...(15) . أي: من أمم المرسلين وأتباعهم، قرئ بفتح التاء على الخبر
عنهم، وبخفضها على الأمر لهم بالدعاء والاستفتاح على الذين كفروا.
ثم قال عزَّ من قائل: (وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) أي: أهلكوا
فخابوا من خير الدنيا والآخرة.
يقول جلَّ ذكره: (مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ ...(16) . أي: في مستقبل أمره لما كان المستقبل
في حقهم محمولاً عندهم [ .... ] بمعنى الوراء (وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ(16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا
يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ... (17) . ثم قال وقوله الحق:(وَمِنْ
وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ)هذا - والله أعلم - عبارة عن تقلب الحال
بهم إلى مدة الزمهرير الدائرة عليهم من بعد مدة السعير - نعوذ بالله من أحوال أهل
النار - في النار، فيها يسقون الصديد، [والمهل] يكون من عصارتهم، وسلط عليهم
شدة العطش وصدودة الماء، حتى إذا جاء أحدهم ليتجرعه منع على ذلك أن يسيغه
كراهةً له وعسرًا، يلقونه عنه ذلك؛ ليذوقوا العذاب به من كل وجه، فإذا صار إلى