قوله - جلَّ جلالُه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ(28)
أول المراد بهذا الخطاب: قريش وأهل الكتاب ورسل الله جل ذكره
وكتبه؛ نعم وما نصبه من الدلائل وأقامه من الشواهد، نعم لا تحصى ولا يبلغ
شكرها، ومن كذب بها وأعرض عنها فقد بدل نعمة الله كفرًا، وكما يحل أئمة الكفر
قومهم وأتباعهم بذلك دار البوار فكذلك يحل علماء المؤمنين وأعلام المسلمين
أتباعهم قرار الفوز، وهذا مفهوم الخطاب.
قوله - جلَّ جلالُه: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ
مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32)
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا
سَأَلْتُمُوهُ ... (34)
وجه الخطاب في هذا كله إلى تعداد النعم، ومعناه
الدلالة على موجودات الآخرة في الدارين منهما، فما أخرجه بالماء من الأرض
دلالة على ثمرات الجنة ورزقها، وكذلك تسخيره الفلك في البحر بأمره تجري فيه،
وكذلك الأنهار على أنهارها والشمس والقمر دلالة على رؤية الله العلي الأعلى،
وتسخيره الليل والنهار نعمتان منه دلالة على الدنيا والجنة والنار والإله الحق المبين
وآلهة باطلة.
وأما دلالات ذلك على موجودات جهنم - أعاذنا الله الرحيم برحمته منها -
فما هنالك سماء لهم تظلهم ويرحمون منها، ولا أرض لهم تكون قرارًا لهم،
وأنهارهم الغسلين والحميم والغساق، يجري بهم الفلك في بحار حميمها وغساقها
ولحمومها في أمواجها.
قال الله - جلَّ جلالُه: (يُسْحَبُونَ(71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72)
أي: يوقدون، وهم عن ربهم محجوبون، هذا إلى ما في الخطاب من التذكير بعظيم
الاقتدار ومضاء المشيئة، وإحاطة العلم وتدبير الأمر، وذكر الملك والملكوت