قول الله - تعالى ذِكْره:"وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ" [الحجر: 4 - 5] .
قال أبو حيَّان: قال القاضي منذر بن سعيد: هذه الواو - يَعْنِي في قوله"إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ"- هي التي تُعْطِي أنَّ الحالة التي بعدها في اللَّفظ في الزَّمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله تعالى:"حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا" [الزمر: 73] .
وقال ابن هشام في"المُغْنِي": العاشر - يعني من أقسام الواو - الواو الدَّاخلة على الجملة الموصوف بها؛ لتأكيد لُصوقها بموصوفها، وإفادتها أنَّ اتِّصافه بها أمرٌ ثابت، وهذه الواو أثبَتَها الزَّمَخشري ومَن قبله، وحَمَلُوا على ذلك مواضع، الواو فيها كلها واوُ الْحال"وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ" [البقرة: 216] و"سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ" [الكهف: 22] و"وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ" [الحجر: 4] والمُسَوِّغ لِمَجيء الحال من النكرة في هذه الآية أمران:
أحدُهما: خاصٌّ بِها، وهو تقدُّم النَّفي.
والثاني: عامٌّ في بقية الآيات، وهو امتناع الوصفية؛ إذِ الْحال متى امتَنَع كونُها صفة جاز مَجيئُها من النَّكرة؛ ولِهَذا جاءت منها عند تقدُّمها عليها، نحو: في الدار قائمًا رجل، وعند جُمودها نَحْو: هذا خاتم حديدًا ومرَرْتُ بماء قِعْدةَ رَجُل.
ومانع الوصفيَّة في هذه الآية أمْرَان:
أحدهما: خاصٌّ بها، وهو اقتران الجملة بإلاَّ؛ إذْ لا يجوز التفريغ في الصِّفات، لا تقول: مرَرْت بأحد إلاَّ قائم، نصَّ على ذلك أبو عليٍّ الفارسي وغيره.
والثَّاني: عامٌّ في بقية الآيات، وهو اقترانها بالواو.