ومن لطائف ونكات تفسير حدائق الروح والريحان:
{مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (5) }
وإنما حذف الجار والمجرور .. لأنه معلوم مما قبله، ولرعاية الفواصل، والإتيان بصيغة الاستفعال، للإشعار بعجزهم عن ذلك، مع طلبهم له، وأما تأنيث ضمير أمة في أجلها وتذكيره في يستأخرون .. فللحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى، قال الفراء: إنما قال {أَجَلَهَا} لأن الأمة لفظها مؤنث، وإنما قال: {يَسْتَأْخِرُونَ} إخراجًا له على معنى الرجال. انتهى ذكره في"زاد المسير".
وهذه الجملة مبينة لما قبلها، فكأنه قيل: إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العقلاء، فإن لكل أمة وقتًا معينًا في نزول العذاب، لا يتقدم ولا يتأخر، وفي هذا تنبيه لأهل مكة، وإرشاد لهم إلى الإقلاع عما هم عليه من الشرك والإلحاد، الذي يستحقون به الهلاك، وزجر لهم بأن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتروا به، فالهلاك مدخر لهم لا يتقدم ولا يتأخر.
{قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) }
فإن قلت: كيف يعقل هذا الخطاب، مع أن مكالمة الله تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب، وأشرف المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة؟
قلتُ: إن مكالمة الله تعالى إنما تكون منصبًا عاليًا إذا كانت على سبيل الإكرام والإعظام، فأما إذا كانت على سبيل الإهانة والإذلال فلا اهـ."كرخي".
{وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) }
فإن قلت: إن حرف (إلى) لانتهاء الغاية، فهل ينقطع اللعن عنه يوم الدين، الذي هو يوم القيامة؟
قلتُ: لا بل يزداد عذابًا إلى اللعنة التي عليه، كأنه قال تعالى: وإن عليك اللعنة فقط إلى يوم الدين، ثم تزداد بعد ذلك عذابًا دائمًا مستمرًا لا انقطاع له. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان، لمحمد الأمين الهرري} ...