قول الله - تعالى ذِكْرُه:"وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ" [الحجر: 26 - 27] .
"الْإِنْسَانَ": قال الراغب: سُمِّي بذلك؛ لأنَّه خُلق خِلْقة لا قوام لَها إلاَّ بِأُنْسِ بعْضِه ببعض، ولا يمكنه أن يقوم بِجَمع أسبابه، وقيل: سُمِّي بذلك لأنَّه يأنس بكلِّ ما يَأْلَفه، وقيل: هو إِفْعِلاَن، وأصله إِنْسِيَان، سُمِّي بذلك لأنَّه عُهِد إليه فنَسِي، وهو أولى أن يكون سُمِّي كذلك لِكَلا المعنيين؛ لحاجته إلى الأُنْس بعضه ببعض، ولأنه جُبِل بِحِكمة الله ورحمته على طبيعة النِّسيان.
و"الصَلْصَالٍ": الطِّين غير الْمَحروق، يَجِفُّ ويشتدُّ جفافه، فيكون له صوت يَصِل إذا نقَرْته، فإذا أُحْرِق كان فخَّارًا، وقال الإمام البخاريُّ: صلصال: طين خُلِط بِرَمْل فصلْصَلَ كما يُصَلصِل الفخَّار، وقيل: مُنْتِن، يريدون به: صَلَّ يعني تغيَّر؛ يعني من قولهم: صلَّ اللَّحم، إذا أنْتَنَ، ثم قال البخاريُّ: كما يقولون: صرَّ البابُ وصَرْصَر عند الإغلاق، مثل كَبْكَبْتُه، يعني كبَبْتُه؛ اهـ.
وقال ابن جرير: الصَّلصال: الطِّين اليابس لم تُصِبه نار، وعن ابن عباس: هو الماء يقع على الأرض الطيِّبة ثم يَحْسِر عنها، فتتشقَّق ثم تصير مثل الْخَزف الرِّقاق، وعن ابن عبَّاس أيضًا: قال: خُلِق الإنسان من ثلاثة: طين لازِب، وصَلْصال، وحَمَأ مسنون، والطِّين اللاَّزب، اللاَّزق الجيد، والصلصال: المُرَقَّق الذي يصنع منه الفخَّار، والمسنون: الطِّين فيه الْحَمْأة.
وقال آخَرُون: الصَّلصال: المنتِن، وكأنَّهم وَجَّهوا ذلك إلى أنَّه من قولِهم: صلَّ اللَّحم وأصلَّ، إذا أنْتَن، يُقال ذلك باللُّغتَيْن كلتَيْهِما: يَفْعَل وأَفْعَل.
ثم قال ابن جرير: والذي هو أولى بتأويل الآية: أن يكون الصلصال - في هذا الموضع - الَّذي له صوت، من الصَّلْصلة؛ وذلك أنَّ الله تعالى وصَفَه في موضع آخَر، فقال:"خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ" [الرحمن: 14] فشبَّهَه تعالى بأنه كالفخَّار في يُبْسه؛ اهـ.