قال - عليه الرحمة:
{لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) }
أقسم بحياته تخصيصاً له في شرفه، وتفضيلاً له على سائر البرية، فقال وحياتك - يا محمد - إنهم لفي ضلالتهم وسكرة غفلتهم يتردُّون، وإنهم عن شِرْكهم لا يُقْلِعون.
ويقال أقسم بحياته لأنه لم يكن في وقته حياة أشرف من حياته - إنهم في خُمَارِ سُكْرِهم، وغفلةِ ضلالتهم لا يترقبون عقوبةً، ولا يخافون سوءاً.
قوله جلّ ذكره: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} .
باتوا في حبور وسرور، وأصبحوا في محنة وثبور، وخرَّر عليهم سقوفُهم، وجعلنا مُدَتَهم ومنازِلهم عاليَها سافِلَها، وأمطرنا عليهم من العقوبة ما لم يُبْقِ عيناً ولا أَثَراً، إنَّ في ذلك لَعِبْرة لمن اعتبر، ودلالةً ظاهرة لمن استبصر، {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} لِمَنْ شاءَ أن يَعْتَبِرْ.
قوله جلّ ذكره: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَاتِ لِلّمُتوسِمِينَ} .
جاء في التفسير"المتفرسين"، والفراسةُ خاطرٌ يحصل من غير أن يعارضه ما يخالفه عند ظهورِ يرهانٍ عليه، فيخرج من القلب عين ما يقع لصاحب الفراسة. مشتق من فريسة الأسد إذ لفريسته يقهر. والحق - سبحانه - يُطْلِعُ أولئاءه على ما خفي على غيرهم. وصاحب الفراسة لا يكون بشرط التفرس في جميع الأشياء وفي جميع الأوقات؛ بل يجوز أن تُسَدَّ عليه عيونُ الفراسة في بعض الأوقات كالأنبياء عليهم السلام؛ فَنِبِيُّنا - صلى الله عليه وسلم - كان يقول لعائشة - رضي الله عنها - في زمان الإفك:"إنْ كُنْتِ فعلتِ فتوبى إلى الله"وكإبراهيم ولوط - عليهما السلام - لم يعرفا الرسل.