قال - عليه الرحمة:
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) }
المتقي مَنْ وقَّاه الله بفضله لا مَنْ اتَّقى بَتَكلُّفِه، بل إنه ما اتقى بتكلفه إلاَّ بعد أن وقَّاه الحقُّ - سبحانه - بفضله. هم اليومَ في جنات ولها دَرَجات بعضها أرفعُ من بعض، كما أنهم غداَ في جنَّات ولها درجات بعضها فوق بعض.
اليوم لقومٍ درجةُ حلاوة الخدمة وتوفيق الطاعة، ولقوم درجة البسط والراحة، ولآخرين درجة الرجاء والرغبة، ولآخرين درجة الأنْسِ والقربة، قد علم كلُّ أناسٍ مشربَهم ولزم كلُّ قومٍ مذهبَهم.
{ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46) }
معناه يقال لهم: {ادخلوها} ، وأَجْمَلَ ذلك ولم يقل مَنْ الذي يقول لهم. ويرى قومٌ أن المَلكَ يقول لهم: أدخلوها.
ويقال إذا وافَوْا الجنة وقد قطعوا المسافة البعيدةَ، وقاسوا الأمورَ الشديدة َ، فَمِنْ حقِّهم أن يدخلوا الجنة، خاصةً وقد علموا أَنَّ الجنةَ مُبَاحةٌ لهم، ولعلهم لا يفقهون حتى يقال لهم.
ويقال يحتمل أنهم لا يدخلونها بقول المَلَكِ حتى يقول الحقُّ: أدخلوها، كما قالوا:
ولا أَلْبَسُ النُّعمى وغيرُك مُلْبِسٌ ... ولا أَقْبَلُ الدنيا وغيرك واهبُ
قوله: {بِسَلاَمٍ ءَامِنِينَ} : بمعنى السلامة، وهي الأمان، فيأمنون أنهم لا يخرجون منها.
ويقال كما لا يخرجون من الجنة لا يخرجون عما هم عليه من الحال؛ فالرؤية لهم وما هم فيه من الأحوال الوافية - مديدةٌ.
قوله جلّ ذكره: {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} .