ومن لطائف ونكات تفسير ابن عجيبة:
(رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ(2)
وهذا التمني قيل: يكون عند الموت، وقيل: في القيامة، وقيل: إذا خرج العصاة من النار، وهذا أرجح لحديثٍ في ذلك «1»
ومعنى التقليل فيه: أنه تدهشهم أهوال يوم القيامة، فإن حانت منهم إفاقة في بعض الأوقات تمنوا أن لو كانوا مسلمين.
(وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ(80) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (81)
كذبوا صالحاً عليه السلام، ومن كذَّب واحداً من الرسل فكأنما كذّب الجميع لأنهم جاءوا بأمر متفق عليه، وهو التوحيد، أو يراد به الجنس، كما تقول: فلان يركب الخيل، وإنما يركب فرساً واحداً، أو يراد به صالح ومَن معه من المؤمنين لموافقتهم له فيما يدعو إليه. وَآتَيْناهُمْ آياتِنا يعني: الناقة، وما كان فيها من العجائب، كسقيها وشربها ودرها، أو ما نزل على نبيهم من الكتب، أو ما نصب لهم من الأدلة. فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ: لم ينظروا فيها، ولم يعتنوا بأمرها.
(فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (93)
فإن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله: (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) ؟
فالجواب: أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ، والسؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض لأن الله تعالى يعلم الأعمال، فلا يحتاج إلى سؤال.
وقيل: في القيامة مواطن وخوارق، فموطن يقع فيه السؤال، وموطن يذهب بهم إلى النار بغير سؤال.
(1) عن أبى موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ألستم مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وأنتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها، فيغضب الله تعالى لهم، بفضل رحمته، فيأمر بكل مَن كان من أهل القبلة في النار فيخرجون منها، فحينئذ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كانوا مسلمين» . أخرجه ابن جرير في التفسير، وابن أبى عاصم في السّنة (1/ 405) ، وابن أبى حاتم في تفسيره (7/ 2255) والحاكم في المستدرك (2/ 442) وصححه.