{وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ}
أي قرية من القرى بالخسف بها وبأهلها الكافرين كما فعل ببعضها أو بإخلائها عن أهلها بعد إهلاكهم كما فعل بآخرين {إِلاَّ وَلَهَا} في ذلك الشأن {كِتَابٌ} أجل مقدر مكتوب في اللوح {مَّعْلُومٌ} لا ينسى ولا يغفل عنه حتى يتصور التخلف عنه بالتقدم والتأخر، وهذا شرع في بيان سر تأخير عذابهم.
و {كِتَابٌ} مبتدأ خبره الظرف والجملة حال من {قَرْيَةٌ} ولا يلزم تقدمها لكون صاحبها نكرة لأنها واقعة بعد النفي وهو مسوغ لمجيء الحال لأنه في معنى الوصف لا سيما وقد تأكد بكلمة {مِنْ} والمعنى ما أهلكنا قرية من القرى في حال من الأحوال إلا حال أن يكون لها كتاب معلوم لا نهلكها قبل بلوغه ولا نغفل عنه ليمكن مخالفته، أو مرتفع بالظرف والجملة كما هي حال أيضاً أي ما أهلكنا قرية من القرى في حال من الأحوال إلا وقد كان لها في حق إهلاكها أجل مقدر لا يغفل عنه.
وقال الزمخشري الجملة صفة لقرية والقياس أن لا يتوسط الواو بينهما كما في قوله تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ} [الشعراء: 208] وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما يقال في الحال: جاءني زيد عليه ثوب وجاءني وعليه ثوب، ووافقه على ذلك أبو البقاء، وتعقبه في"البحر"بأنا لا نعلم أحداً قاله من النحاة، وهو مبني على أن ما بعد إلا يجوز أن يكون صفة، وقد صرح الأخفش.
والفارسي بمنع ذلك، وقال ابن مالك: إن جعل ما بعد إلا صفة لما قبلها مذهب لم يعرف لبصري ولا كوفي فلا يلتفت إليه وأبطل القول بأن الواو توسطت لتأكيد اللصوق.