(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) }
إِخْوَانِي: اعْتَبِرُوا بِمَنْ مَضَى مِنَ الأَقْرَانِ, وَتَفَكَّرُوا فِي مَنْ بَنَى كَيْفَ بَانَ, تَقَلَّبَتْ وَاللَّهِ بِهِمُ الأَحْوَالُ وَلَعِبَتْ بِهِمْ أَيْدِي الْبَلْبَالِ, وَنَسِيَهُمْ أحبابهم بَعْدَ لَيَالٍ, وَعَانَقُوا التُّرَابَ وَفَارَقُوا الْمَالَ, فَلَوْ أَذِنَ لِصَامِتِهِمْ لَقَالَ:
(مَنْ رَآنَا فَلْيُحَدِّثْ نَفْسَهُ ... أَنَّهُ مُوفٍ عَلَى قُرْبِ زَوَالِ)
(وَصُرُوفُ الدَّهْرِ لا يَبْقَى لَهَا ... وَلِمَا تَأْتِي بِهِ صُمُّ الْجِبَالِ)
(رُبَّ رَكْبٍ قَدْ أَنَاخُوا حَوْلَنَا ... يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ بِالْمَاءِ الزُّلالِ)
(وَالأَبَارِيقُ عَلَيْهَا قُدُمٌ ... وَعِتَاقُ الخيل تردى فِي الْجِلالِ)
(عَمَّرُوا دَهْرًا بِعَيْشٍ حَسَنٍ ... آمِنِي دَهْرَهُمْ غَيْرَ عِجَالِ)
(ثُمَّ أَضْحَوْا لَعِبَ الدَّهْرُ بهم ... وكذلك الدَّهْرُ حَالٌ بَعْدَ حَالِ)
يَا مَشْغُولا بِالأَمَلِ وَالْمُنَى, تَأَهَّبْ لِمَصْرَعٍ قَدْ قَارَبَ وَدَنَا, وَتَزَوَّدْ لِلْقَبْرِ مِنَ الصَّبْرِ كَفَنًا, وَتَهَيَّأْ لِحَرْبِ الْهَوَى فَإِذَا عَزَمْتَ فَأَلْقِ الْقَنَا, فَاللُّحُودُ الْمَقِيلُ وَبَيْتُ الْمَوْتَى لا يُبْتَنَى, وَحَاكِمُ الْعَدْلِ يُجَازِي كُلا بما جنى.
(لا بُدَّ لِلإِنْسَانِ مِنْ ضَجْعَةٍ ... لا تَقْلِبُ الْمُضْجَعَ عَنْ جَنْبِهِ)
(يَنْسَى بِهَا مَا كَانَ مِنْ عُجْبِهِ ... بِمَا أَذَاقَ الْمَوْتُ مِنْ كَرْبِهِ)
(نَحْنُ بَنُو الْمَوْتَى فَمَا بَالُنَا ... نَعَافُ مَا لا بُدَّ مِنْ شُرْبِهِ)
(يَمُوتُ رَاعِي الضَّأْنِ فِي جَهْلِهِ ... مَوْتَةَ جَالِينُوسَ فِي طِبِّهِ)
(وَرُبَّمَا زَادَ عَلَى عُمْرِهِ ... وَزَادَ فِي الأَمْنِ عَلَى سِرْبِهِ)
(وَغَايَةُ الْمُفَرِّطِ فِي سَلْمِهِ ... كَغَايَةِ الْمُفَرِّطِ فِي حَرْبِهِ)