[من روائع الأبحاث]
(فصل: من التضمين النحوي في السورة الكريمة)
(إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ(60)
ذكر العز: (قدرنا) معنى (علمنا) ليفيد التقدير والعلم جميعا. وقال الزمخشري: فإن قلت: لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله قدرنا، والتعليق من خصائص أفعال القلوب؟ قلت: لتضمين فعل التقدير معنى العلم وكسرت همزة (إن) إجراء لفعل التقدير مجرى العلم والعلة في كسرها وجود اللام.
فإن قلت: لم أسند الملائكة فعل التقدير لأنفسهم وهو لله؟ قلت: لما لهم من القرب والاختصاص بالله. وقال القرطبي: قدرنا أي قضينا وكتبنا. وكذلك البروسوي: حكمنا وقضينا.
وقال أبو السعود: علق فعل التقدير بأفعال القلوب لتضمَّنه معنى (العلم) ويجوز حمله على معنى (قلنا) لأنه بمعنى القضاء. وقال أبو حيان: وكسرت (إن) إجراء لفعل التقدير مجرى العلم، إما لكونه بمعناه أو لترتبه
عليه. وأسند التقدير إليهم ولم يقولوا: قدر الله، لأنهم هم المأمورون بإهلاكهم كما يقول من يلوذ بالملك: أمرنا بكذا والآمر هو الملك.
وقال الجمل: قوله قدَّرنا ضمن معنى العلم ولذلك كسرت همزة (إن) وجاءت في خبرها اللام وإسناد التقدير للملائكة مجاز فهم رسل اللَّه ووسائط بينه وبين خلقه وإنما فعلوه بأمر الملك لاختصاصهم بأوامره وقربهم منه. وفعل التقدير قد يعلق إجراء له مجرى العلم.
أقول: إن تضمين (قدَّر) معنى (قضى أو حكم أو كتب) فهذا لا يكون إلا لله ولا يصح من أحد سواه. ومن معاني (فَعَّل) النسبة إلى الفعل كـ فهَّمته: نسبته إلى الفهم، وفسَّقته: نسبته للفسق وعليه يكون المعنى. نسب الملائكة التقدير لأنفسهم فيما حكم اللَّه به وبيان ما قضاه وكتبه، إنها من الهالكين لأنهم مأمورون من الله، فأسندوا التقدير لأنفسهم وهذا مسلك من هذه اللغة الشريفة أنُف، تعجب من وسيع مذاهبها وبديع أغوارها فيه.
(وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ(65)
ذكرت المعاجم أن (مضى) قاصر لا يتعدى وعليه اضطر الآلوسي إلى تضمينه معنى (الحلول والتوطن) ليصبح متعديا ويصير صالحا لتعليق (حيث) به.
وذكر الجمل قوله: (حيث تؤمرون) عدي (امضوا) إلى (حيث) . كما قدره البيضاوي وامضوا إلى حيث أمركم اللَّه بالمضي إليه مصر أو الشام.
وفي السمين: (حيث) على بابها من كونها ظرف مكان مبهم ولإبهامها تعدى إليها الفعل من غير واسطة.