قال - عليه الرحمة:
{رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) }
استأثرتَ بعلم الغيب فلا يعْزُبُ عن علمك معلومٌ، وحالي لا تخفى عليك، فهي كما عرفتَ، أنت تعلم سِرِّي وعَلَني ... ومَنْ عرف هذه الجملة استراح من طوارق الأغيار، واستروح قلبُه عن تَرَجُّمِ الأفكار، والتَّقَسمِ في كون الحوادث من الأغيار.
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) }
أسعده بمنحه الولد علىلكبر، ويلتحق ذلك بوجهٍ من المعجزات،؛ فحمد عليه. ولمَّا كان هذا القول عقيب سؤاله ما قدَّم من ذكر نعمته - سبحانه - عليه، وأكرامه بأنواره، وهذا يكون بمعنى المَلقِ، ويكون استدعاءَ نعمةٍ بنعمة، فكأنه قال: كما أكرمتني بِهِبَة الوَلَدِ على الكِبَر؛ فأَكْرِمْني بهذه الأشياء التي سألتُها.
ويقال الإشارة في هذا أنه قال: كما مَنَنْتَ عليَّ فوهبتني على الكِبَر هذه الأولاد فأَجْنِبْنَا أن نعبد الأصنام لتكونَ النعمةُ كاملةً. وفي قوله: {إِنَّ رَبِيّ لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [إبراهيم: 39] .. إشارة إلى هذه الجملة.
{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) }
في قوله: {ربِّ اجعلني مقيم الصلاة ... } إشارة إلى أن أفعال العباد مخلوقة، فمعناه اجعل صلاتي، والجَعْلُ والخَلْقُ بمعنى، فإذا جعله مقيمَ الصلاة فمعناه أن يجعل له صلاةً.
وقوله: {وَمِن ذُرِّيَّتِي} أي اجعل منهم قوماً يُصَلُون، لأنه أخبره في موضع آخر بقوله: لا ينال عهدي الظالمين [البقرة: 124] .