• قول الله - تعالى وجل ثناؤه:
{قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ} .
بعد أن عَجَّب العليمُ الحكيم نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - وكلَّ تَالٍ لكتاب الله حقَّ تلاوته، ومؤمنٍ به حقَّ إيمانِه - من أولئك الذين صدَّق عليهم إبليسُ ظنَّه، فاتَّبعوه مُقَلِّدين للآباءِ والشيوخِ، مُنسَلِخين من آياتِ الله، كافرين بنعمِه، ناسبين إليه الباطلَ والعبثَ في خلقِهم وإكرامِهم بجعلهم جماعةَ بَنِي آدم، فبدَّلوا نعمةَ الله عليهم في الإنسانيةِ وغيرِها مما تفضل به عليهم - سبحانه - وجعله في أنفسِهم وفي الآفاق أسبابًا لهدايتهم، ودواعي لرشدِهم، وما اقتضته حكمتُه ورحمتُه وعدله - سبحانه - من إرسالِ رسلٍ من أنفسهم إليهم مبشِّرين ومنذرِين، قد اصطفاهم أكملَهم خَلقًا وعقلاً، وأزكاهم قلبًا وأطهرهم نفسًا، بما كان يشهدُه منهم قومُهم، ويشهدون لهم به طولَ مصاحبتِهم ومخالطتِهم لهم في كل أطوارِ حياتهم قبل أن يبعثَهم اللهُ إليهم رسلاً وهادين مهتدين.
كل أولئك النِّعم بدَّلها أولئك البُلَداءُ الغافلون المقلِّدون كفرًا؛ فأحلُّوا أنفسَهم وقومَهم دارَ البَوَار والهلاكِ والخَسَار في الدنيا والآخرة، وهم لذلك أهلٌ، وهم به حَقِيقُون، فبعد أن عَجَّب اللهُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين به من حالِ هؤلاء الخاسرين؛ وجَّه الخطاب إلى نبيِّه سيِّد عبادِه، العارفِ المقدِّر لنعمِ ربِّه، الشاكر لها حقَّ شكرها، وإلى كلِّ مَن عَرَف نِعمَ ربِّه عليه وقدرها وشكرها، وبالأخص نعمه - سبحانه - في آياتِه الكونية والعلمية، فقال عزَّ من قائلٍ:
قل أيُّها النبيُّ العابدُ الشاكرُ لعبادي الذين عَرَفوني، وعَرَفوا ما خلقتُهم له؛ فعَبَدونِي حقَّ عبادتِي وأَسلَمُوا فلم يتَّخذوا من دونِي وليًّا ولا نصيرًا، ولم يتَّخِذوا من دونِي أربابًا من أحبارِهم ورهبانِهم، وشيوخهم ورؤسائهم، ولم يَستَجِيبوا إلا لدعوةِ الله ورسولِه - صلى الله عليه وسلم - مؤمنين أنها التي يُحْيِيهم الله بها الحياة السعيدة الطيِّبة، فالله - سبحانه - يتفضَّل على هؤلاء، جعلنا الله - سبحانه - بفضلِه منهم، فيخصُّهم بشرفٍ عظيمٍ دونه كلُّ ما تَنقَطِع دونه رقابُ عبيدِ الدنيا من شرفِ الوجاهة والرياسة فيها، ذلك هو شرفُ نسبتِهم وإضافتِهم إليه - سبحانه - بقولِه"عبادي"، كما مَنَحهم ذلك الشرفَ أيضًا في قوله - سبحانه: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ} .
وفي قوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42] .
وقوله: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [الإسراء: 53] .
وقوله: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] .
وقوله: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 18] .
وهذا هو الشرفُ الذي يَنبَغِي لأُولِي العقولِ الصحيحةِ والفِطَر السليمة، أن يَسْعَوا إليه سعيَهم، ويُسَارِعُوا إليه بكلِّ جهدِهم، ويعَضُّوا عليه بالنواجذِ، فهداهم اللهُ وأرشدَهم إلى الطريقِ الذي يبلغُ بهم هذا الشرف، ويسمو بهم إلى هذه الدرجاتِ العالية، ذلك هو أن يُدِيمُوا توثيقَ صلاتِهم بالله سيِّدهم وحبيبِهم، فيُلقُوا السمعَ إليه مُصغِين إلى دعوتِه لهم إلى الفلاحِ، ويُسَارِعُوا إلى تلبيتِها فَرِحين أشد الفرحِ؛ إذ دعاهم حبيبُهم الكريمُ إلى التشريف بمناجاتِه، وإلى أعظمِ السعادة والهناء بالمُثُولِ بين يديه، وتَمتِيع قلوبِهم بما يتَنَزَّل عليها من موائدِ رحماتِه وهدايته وبرِّه وإحسانه؛ فهم لذلك يَحرصُون أشدَّ الحرصِ أن يكونوا على أتَمِّ البيِّنة والبصيرة في أدبِ هذه المناجاة، ويُؤمِنُون أن ذلك لن يكونَ على وجهِه الذي يرضي عنهم سيِّدهم ويُنِيلهم محبَّته إلا بالاقتداءِ بسيِّد المحبِّين وإمام المشرَّفين - الذي اتَّخذه الله خليلاً - إمامِهم الذي لم يجعل الله لهم إمامًا سواه، ولن يرضى عن عملٍ إلا إذا جاء على هداه، محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه - عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام - فنَهِلوا من موردِ سنَّته - الطيِّبة المباركة الصافية - ما عَرَفوا به كيف يَقُومُون في صلاتِهم مُخبِتين خاشعين بين يدي سيِّدهم وحبيبِهم، اللهِ ربِّ العالمين
وأرحمِ الراحمين، فما يَنطِقُون بكلمةٍ من القرآنِ والذكرِ إلا وقلوبُهم حاضرةٌ مع لسانِهم، متدبِّرة مُهتَدِية متذكِّرة غيرُ غافلةٍ ولا لاهيةٍ، ولا منصرفة عن ربِّهم، ولا ساهيةٍ، وهم لا يتحرَّكون حركةً من قيامٍ، وركوعٍ، وسجودٍ، وخفضٍ، ورفعٍ إلا وأرواحُهم وقلوبُهم وكلُّ مشاعرهم الإنسانيةِ ومعنويَّاتهم المؤمنة تتحرَّك حركةَ الخشوع والإخبات والذلِّ والضراعة، فلا يَنصَرِفُون من موقفِهم هذا إلا وقد نَهِلت كلُّ جارحةٍ، فأدبٌ عالٍ، وخُلقٌ كريمٌ، ونفسٌ زكيَّةٌ، ورُوحٌ ساميةٌ، وعزَّة رفيعة، وكل ما شئتَ من الكمالات الإيمانية التي تدعو إلى البِرِّ والتقوى، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وهم أبدًا يَزدَادُون بصلاتِهم قربًا واتصالاً يُحْيِيهم مع سيِّدهم الرؤوف الرحيم، ويزدادون بها هدًى ونورًا، وعلمًا وحِكَمًا، وإيمانًا وشكرًا لنعمِ المُنعِم الكريمِ، ثمرات طيِّبة مباركة بجنانِها في كلِّ حينٍ بإذن ربهم من شجرة الصلاة الطيبة المباركة، وهم لذلك يتحيَّنون كلَّ فرصة، ويترقَّبون كل بابٍ للخير يفتحُه لهم سيِّدهم البَرُّ الرحيم، فيتسَارَعُون إليه فَرِحين، نَشِطين غيرَ كُسَالَى ولا مُتَوَانِين، فما وضع اللهُ في أيديهم من رزقٍ، وما أفاء عليهم سيِّدهم من نعمةِ مالٍ أو قوَّةٍ في أجسامهم، يُبَادِرُون بإنفاقها، والسعي بها إلى مرضاة الله؛ إيمانًا بأنه - سبحانه - ما وضع في أيديهم هذه النعمَ إلا ليتَّخِذوها مطايا يَركُضُون بها، فيَفتَح لهم من طرقِ البِرِّ والخير سرًّا وعلانيةً، وكل وقت بحسبِه وما تَهدِيهم إليه حكمتُهم وقلبُهم الرحيم، وأنه ما وَهَبهم ذلك إلا ليتَّخِذوه زادًا يدَّخِرونه في خزائن رحمةِ وفضلِ الواسع العليم، فلا يُحَاسِبُونه - سبحانه - ولا يَمُنُّون عليه ويقولون: حسبنا ما أخرجنا من زكاة حوليَّة، هو كل ما كلَّفتنا به، وضربتَ علينا في أموالنا، ولا يقولون لذي رحم ولا فقير ولا مسكين: حسبك ما أعطيناك يوم كذا في شهر كذا، وإنما يؤمنون بأن الفضلَ كل الفضلِ للهِ، الذي هيَّأ لهم هذه الفرصَ الثمينة لخيرِهم وسعادتهم، ثم الفضل لهذا القريبِ أو الفقيرِ الذي كان السببَ في هذه النعمة، والمساعد على هذا الادِّخار
عند الغنِي الحميد، وأن صدقتَهم ما وَقَعت في يدِه، وإنما وَقَعت في يمينِ الرحمن، وهو الذي تقبَّلها بيمينِه - وكلتا يديه سبحانه يمينٌ - وأنه كما أخبر الصادقُ المصدوقُ في سيُربِّيها ويتعهَّدها حتى يوفِّيَها لصاحبِها أمثالَ الجبالِ من الحسنات في يومٍ لا بيعٌ فيه ولا خِلالٌ، وأن الحقيقةَ التي لا شكَّ فيها عندهم ولا ريبَ أن نفعَهم بهذا الإنفاقِ في مرضاة الله أعظمُ من نفعِ القريبِ أو الفقيرِ الذي أكَلَها فأَفنَاها أو لَبِسَها فأَبْلاها، أو أَنفَقَها فأَنفَذَها بعد زمنٍ قليل.
أما المُنفِق في مرضاة الله، فإنه سيجدُها مضاعَفةً أضعافًا كثيرة، ويَجدُها في يوم لا تباعُ فيه حسناتٌ، ولا تشترى فيه جنَّاتٌ، ولا ينفعُ خليلٌ خليلَه: {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ * ... * كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ} [المعارج: 10 - 14 * ... * 39] .
آمن هؤلاءِ بهذا اليومِ وخافوه أشدَّ الخوف، وعَرَفوا أن الدنيا متعٌ قليلةٌ، فاتَّخذوها مطيَّة لآخرتِهم، ورَكِبُوها ذليلةً خاضعةً لإيمانهم وآخرتِهم، التي ليست كما يَفهَم المَغرُورون البُلَداءُ الأغبياء، الذين صدَّق عليهم إبليسُ ظنَّه، فزَعَم لهم أن الله غفورٌ رحيمٌ، وليس شديدَ العقابِ، وأن مثل الآخرة كمثلِ دنياهم الظالمةِ الغاشمةِ، ليس فيها عدلٌ ولا حكمةٌ، وإنما فيها الأغراضُ وشفاعاتُ الأولياءِ من أنسباءِ الله سبحانه أو أقربائه - تعالى ربُّنا عن ذلك - وأن النجاةَ هناك لا تكلِّفهم إلا أن يتسمَّوا بما يهوَوْن من أسماء، ويَنتَسِبون نسبًا كاذبة خادعة، ويقولون بألسنتِهم ما لا تَفقَهُه عقولُهم، ولا تُؤمِن به قلوبُهم؛ حسبُهم ذلك القولُ وتلك النسبةُ مفتاحًا للجنةِ، مهما أشركوا باللهِ واتَّخذوا من دونه الأولياءَ آلهةً يعبدونَها أخلصَ عبادةٍ، ومهما اعتقدوا أن أولئك الأولياءَ يشاركون الله - سبحانه - في كلِّ صفات الربوبية، حتى في القهر، والغلبة، والعزة، والانتقام وشديد العقاب، ومهما أَوْغَلُوا في غيِّهم وفسادِهم، ورَكِبُوا في غيِّهم وفسادِهم، ورَكِبُوا أعوجَ الطرقِ في البَغْيِ والشرِّ وعبادة الهوى والشهوات - خَابُوا وخَسِروا وضلَّ سعيُهم ضلالاً بعيدًا، والحمدُ للهِ الذي عافانا، ونسأله - سبحانه - ألا يُزِيغ قلوبَنا بعد إذ هدانا.
أما أولئك المؤمنون الصادقون، فهم يَعرِفُون الآخرةَ، وَصَفها الحكيم العليم: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 123، 124] . انتهى انتهى {تفسير القرآن الحكيم، للشيخ/ محمد حامد الفقي} ...