{الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) }
قوله: {الر} قد تقدم الكلام في أمثال هذا، وبيان قول من قال إنه غير متشابه، وهو إما مبتدأ خبره كتاب، أو خبر مبتدأ محذوف، ويكون {كِتَابٌ} خبراً لمحذوف مقدّر، أو خبراً ثانياً لهذا المبتدأ، أو يكون {الر} مسروداً على نمط التعديد فلا محلّ له، و {أنزلناه إِلَيْكَ} صفة لكتاب: أي أنزلنا الكتاب إليك يا محمد، ومعنى {لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور} لتخرجهم من ظلمات الكفر والجهل والضلالة إلى نور الإيمان والعلم والهداية.
جعل الكفر بمنزلة الظلمات، والإيمان بمنزلة النور على طريق الاستعارة، واللام في {لتخرج} للغرض والغاية، والتعريف في الناس للجنس، والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم يخرج بالكتاب المشتمل على ما شرعه الله لهم من الشرائع مما كانوا فيه من الظلمات إلى ما صاروا إليه من النور.
وقيل: إن الظلمة مستعارة للبدعة، والنور مستعار للسنّة.
وقيل: من الشك إلى اليقين.
ولا مانع من إرادة جميع هذه الأمور، والباء في {بِإِذْنِ رَبّهِمْ} متعلقة ب"تخرج"، وأسند الفعل إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الداعي والهادي والمنذر.
قال الزجاج: بما أذن لك من تعليمهم ودعائهم إلى الإيمان {إلى صِرَاطِ العزيز الحميد} هو بدل من {إلى النور} بتكرير العامل كما يقع مثله كثيراً، أي: لتخرج الناس من الظلمات إلى صراط العزيز الحميد، وهو طريقة الله الواضحة التي شرعها لعباده، وأمرهم بالمصير إليها والدخول فيها، ويجوز أن يكون مستأنفاً بتقدير سؤال، كأنه قيل: ما هذا النور الذي أخرجهم إليه؟ فقيل: صراط العزيز الحميد، والعزيز هو القادر الغالب، والحميد هو الكامل في استحقاق الحمد.