(فصل)
قال شمس الدين أبو المظفر (سبط ابن الجوزي) :
ذكر أبو جعفر الطبري في"تاريخه"بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس، قال عكرمة: كنت جالسًا عنده إذ جاءه رجلٌ فقال: يا ابنَ عباس سمعتُ كعبَ الأحبارِ يقول: إنَّ الشمس والقمر يكوّران يومَ القيامةِ وَيُلْقَيانِ في النار، وكان ابن عباس متكئًا فاحتفز - أي: جلس واجتمع - وقال: كذب كعبٌ - ثلاثًا - بل هي يهوديَّته يريدُ إدخالها في الإسلام، الله أجَلُّ وأكرمُ من أن يعذبَ أحدًا على طاعته، ألم تسمع إلى قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينِ} [إبراهيم: 33] أي: طائعين، فكيف يعذِّبُ مَن أثنى عليه؟
قلت: وفي الشمس دلائل ومنافع، فمن الدلائل:
أنها واحدة، ونورها يضيء على جميع العالم، كذلك البارئ سبحانه وتعالى واحد
وهو يُدبِّر العالم.
والثاني: أنّ ذات الشمس مِنَّا بعيدة وضوءها قريب، كذلك الله سبحانه وتعالى بعيد من الخلق بالذات قريبٌ بالإجابة.
والثالث: أنَّ ضوءَها غير ممنوع عن أحد، كذلك رزق الله تعالى لا يمتنع عن أحد.
والرابع: أنَّ كسوفَها دليل على وجود القيامة، وغروبها يدلُّ على ظلمتها.
والخامس: أنَّ السَّحاب يغطِّيها، وكذا المعاصي غطاء المعرفة.
فأمَّا منافعها فكثيرة:
أحدها: أنَّها سراج العالم، قال الله تعالى: {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} [نوح: 16] .
والثانية: أنها طَبَّاخ لأطعمتهم من غير كلفة ومنضجٌ لثمارهم.
والثالثة: تسير من المشرق إلى المغرب لمصالحهم.
والرابعة: أنها لا تقف في مكان واحد لئلَّا تضرَّ بالخلق.
والخامسة: أنَّها تكون في الشتاء في أسفل البروج وفي الصيف في أعلاها لمنافع العالم.
والسادسة: أنها لا تجتمع مع القمر في سلطانه لئلَّا يُبْطِلَ كلُّ واحدٍ منهما ضوءَ الآخر.
فإن قيل: فهي في الفلك الرابع فلِمَ لم تحجبها السماوات ويحجبها الغيم؟
قلنا: السَّماوات جواهرُ لطيفةٌ شفّافة، والغيم كثيفٌ لأنَّه يتصاعدُ من الأرض. وقد حدَّ أفلاطون الشمس فقال: هي فلكٌ محشوٌّ نارًا يخرج منه اللَّهب.
(فصل في القمر)
قال علماء اللغة كالزّجاج والفراء والأصمعي وغيرهم: إنما سمي القمر: قمرًا لبياضه، والأَقْمَر الأبيض، وليلة قَمْراء أي: مُضيئة، قال ابن قتيبة: يقال له في الليلة
الرابعة عشرة: بدر، لتمامه، ومنه البَدْرَة، وكل شيء تمَّ فهو بدرٌ مجازًا، وفي القمر حقيقة.