وقال الجوهري: إنما سمي بدرًا لمبادرته الشمس بالطلوع، كأنه يُعْجِلها المغيب.
وقال الفرّاء: هو في أول ليلة هلال ثم قمير ثم قمر ثم بدر.
حديث ضُرب المثل به: قال البخاري بإسناده عن أبي هريرة قال: قال الناس: يا رسول الله، هل نَرَى ربَّنا يومَ القيامة؟ فقال:"هَلْ تُمارُون في القَمَر ليلةَ البَدْر ليسَ دونَه سَحَاب؟"قالوا: لا، قال:"فَهَل تُمارُون في الشَّمسِ ليس دونَها سَحَاب؟"قالوا: لا، قال:"فإنَّكم ترَونَه كذلك". أخرجاه في"الصحيحين". وهو حديث طويل. وقد رواه جماعة من الصحابة بأَلفاظٍ مختلفة.
فإن قيل: فهلا ضُرب المثل بالشمس وهي أضوأ وأتمُّ نورًا فإنَّ نور القمر منها، فالجواب من وجوه:
أحدها: أن نور الشمس يغلبُ على الأبصار فلا تتمكَّن من النظر، فيفوت المقصود، بخلاف القمر فإنَّ العيون تتمكن من النظر إليه.
والثاني: لأنَّ من انكسر لأجل الحقِّ سبحانه فعليه جبره، ولما طَمَس جبريل ضوءَ القمر بجناحيه انكسر قلبه لأنه كان يضاهي ضوءَ الشمس، فجبره الله تعالى بشيئين: أحدهما: أنه جَعَل العيون تنظر إليه في الدنيا في أوّل كلّ شهر، والثاني: أنه أمر نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - بأن يضرب به المثل في أَعظم الأشياء وأعلاها.
فإنْ قيل: فقد قال الله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103] ؟
قلنا: إننا لا ندَّعي أنَّ الأبصار تدركه بمعنى تحيط به، وإنما المدرَك نفسُ النظر، لأنّ الباري سبحانه يستحيل عليه الحدود.
وفي القمر فوائد منها: أنَّه سراج للخلق بالليل ومعجزةُ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى: {وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر: 1] وقدَّرهُ منازل ليُعْرَفَ بها المواقيت، ومحا من نوره تسعة وتسعين جزءًا لقوله تعالى: {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12] ولولا ذلك لانبسط الناس في معاشهم ليلًا ونهارًا فآذى الحريصَ كدُّه.
وقد ذكر الطبري معنى هذا عن علي - رضي الله عنه - فقال: حدثنا ابن حميد بإسناده عن أبي الطفيل قال: قال ابن الكوَّاء لعلي: يا أمير المؤمنين ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال: ويحك أما تقرأ {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ} فهذه مَحْوُهُ.
وفيه عيوب: منها أن النَّوم فيه منكشفًا يورث البرص، ومنها: أنه يبلي الكتَّان، إلى غير ذلك.
وقيل: إنَّ نوره من الشمس، وهو الظاهر. انتهى انتهى {مرآة الزمان، لسبط ابن الجوزي} ...