قَوْلُه تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ(28)
قوله: (أَلَمْ تَرَ) أي ألم تنظر يَا أَيُّهَا النَّبيّ أو يا من شأنه النظر إلَى
ما صدر من الكفرة من الأمور الغريبة تعجيب وتقرير لمن سمع قصتهم العجيبة.
قوله:(أي شكر نعمته كفرًا بأن وضعوه مكانه، أو بدلوا نفس النعمة كفرًا، فإنهم لما
كفروها سلبت منهم فصاروا تاركين لها محصلين للكفر بدلها كأهل مكة، خلقهم الله تعالى
وأسكنهم حرمه)نعمته كفرًا قدر مضافًا؛ إذ ظاهره ليس بمراد؛ إذ التبديل وهو ترك شيء وأخذ
شيء آخر مكانه داتًا أو صفة لم يقع عَلَى نفس النعمة بل المتروك شكرها والمأخوذ كفرانها
كما أشار إليه بقوله بأن وضعوه مكانه أو بدلوا نفس النعمة كفرًا أي المتروك نفس النعمة
لكن لا لاختيارهم بل لأجل تعاطيهم سبب زوالها كأنهم تركوا النعمة وحصلوا الكفر بدلها
وإليه أشار بقوله فإنهم لما كفروها سلبت أي من غير اختيارهم، فعلى هذا بدلوا اسْتعَارَة
تبعية كما فهمت من تقريرنا، وإنَّمَا أخَّره لطول ذيله وسعة بحثه لا لضعفه؛ إذ تقدير المضاف
ليس أهون من ذلك مع أن في الاسْتعَارَة مُبَالَغَة لطيفة كأهل مكة أشار بإيراد الكَشَّاف أي إن
الموصول ليس للعهد الخارجي إما لعدم التعيين أو لانتفاء المُبَالَغَة في تقبيح شأن الكفرة
ولا ضير في العموم كون المخاطب عدم رؤية ذلك فإن مثل هذا صار مثلًا في التعجب كما
صرح به الْمُصَنّف في سورة البقرة في قَوْله تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذينَ خرجوا من ديارهم)
الآية.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: أو بدلوا نفس النعمة فعلى الأول النعمة باقية لكنها مَوْصُوفة بالكفران وعلى الثاني
النعمة زائلة مبدلة بالكفر. فالْمُرَاد بالتبديل عَلَى الأول تغيير الصّفَة بأن جعلوا صفة الكفران بدل
الشكر وعلى الثاني تغيير الذات حيث سلب عنهم نصب النعمة وبقي بدله الكفران.