ومن فوائد الإمام ابن رجب الحنبلي في السورة الكريمة:
قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9)
بلغِني إنكارُ بعضِ الناسِ على إنكارِي على بعضِ من ينتسبُ إلى مذهبِ
الإمامِ أحمدَ وغيرِه من مذاهبِ الأئمةِ المشهورينَ في هذا الزمانِ، الخروج عن
مذاهبِهِم، في مسائلَ، وزعمَ أنَّ ذلكَ لا ينكر على مَنْ فعلَهُ، وأنَّ من فعلَهُ
قد يكون مُجتهدًا مُتبعًا للحقِّ الذي ظهر له، أو مقلدًا لمجتهدٍ آخر، فلا يُنكر
عليه.
فأقولُ وباللَّهِ التوفيقِ، وهو المستعانُ وعليه التكلانُ، ولا حول ولا قوةَ إلا
باللَّهِ:
لا ريبَ أنَّ اللَّه تعالى حفظ لهذهِ الأُمَّةِ دينَها حفظًا لم يحفظْ مثلَه دِينًا غيرَ
دينِ هذهِ الأمةِ، وذلك أنَّ هذه الأمةَ ليسَ بعدَها نبيٌّ يجدِّدُ ما دثرَ من دينِه
كمِا كانَ دينُ مَنْ قبلَنا من الأنبياءِ، كلَّما دثرَ دينُ نبيٍّ جدَّده نبيٌ آخر يأتِي
بعده.
فتكفَّلَ اللَّهُ سبحانه بحفظِ هذا الدينِ، وأقامَ له في كل عصرٍ حملةً ينفونَ
عنه تحريفَ الغالينَ، وانتحال المبطلينَ، وتأويلَ الجاهلينَ.
وقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ؛ فتكفَّل
اللهُ سبحانه بحفظِ كتابِهِ، فلم يتمكَّنْ أحدٌ من الزيادةِ في ألفاظِهِ ولا مِنْ
النقصِ منها.
وقد كانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُقرئُ أُمَّته القرآنَ في زمانِهِ على أحرفٍ مُتعددةٍ، تيسيرًا على الأمَّةِ لحفظِهِ، وتعلُّمِهِ، حيث كان فيهم العجوزُ والشيخُ الكبير، والغلامُ والجاريةُ، والرجلُ الذي لم يقرأ كتابًا قط.
فطلب لهم الرخصةَ في حفظِهِم له أنْ يُقرئَهُم على سبعةِ أحرفٍ، كما وردَ
ذلك في حديثِ أُبيّ بنِ كعبٍ وغيره.
ثم لما انتشرتْ كلمةُ الإسلامِ في الأقطارِ، وتفرق المسلمونَ في البُلدانِ