(فصل)
قال أبو القاسم المرتضى:
قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصبهاني في قوله تعالى (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ)
قال إنما خص الموزون دون المكيل بالذكر لوجهين ..
أحدهما إن غاية المكيل تنتهي إلى الوزن لأن سائر المكيلات إذا صارت طعاما دخلت في باب الوزن وخرجت عن باب الكيل فكان الوزن أعم من الكيل ..
والوجه الآخر إن في الوزن معنى الكيل لأن الوزن هو طلب مساواة الشيء بالشيء ومقايسته إليه وتعديله به وهذا المعنى ثابت في الكيل وخص الوزن بالذكر لاشتماله على معنى الكيل هذا قول أبي مسلم ..
ووجه الآية وما شهد له ظاهر لفظها غير ما سلكه أبو مسلم وإنما أراد الله تعالى بالموزون المقدر الواقع بحسب الحاجة فلا يكون ناقصا عنها ولا زائدا عليها زيادة مضرة أو داخلة في باب العبث ونظير ذلك من كلامهم قولهم كلام فلان موزون وأفعاله مقدرة موزونة وإنما يراد ما أشرنا إليه وعلى هذا المعنى تأول المفسرون ذكر الموازين في القرآن على أحد التأويلين وأنها التعديل والمواساة بين الثواب والعقاب ..
قال الشاعر هو ذو الرمة:
لها بشر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر
-الهراء - الكثير - والنزر - القليل وكأنه قال إن حديثها لا يقل عن الحاجة ولا يزيد عليها وهذا يجري مجرى أن يقول هو موزون ..
وقال مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري
[[وحديث الذه هو مما ينعت الناعتون يوزن وزنا منطق صائب وتلحن أحيانا وخير الحديث ما كان لحنا] ]
وهذا الوجه الذي ذكرناه أشبه بمراد الله تعالى في الآية وأليق بفصاحة القرآن وبلاغته الموفيتين على فصاحة سائر الفصحاء وبلاغتهم ..
فأما قول الشاعر الذي استشهدنا بشعره وتلحن أحيانا فلم يرد اللحن في الأعراب الذي هو ضد الصواب وإنما أراد به الكناية عن الشيء والتعريض بذكره والعدول عن الافصاح عنه على معنى قوله تعالى (ولتعرفهم في لحن القول) * ..
وقول الشاعر:
ولقد وحيت لكم لكيما تفطنوا ولحنت لحنا ليس بالمرتاب
وقد قيل إن اللحن الذي عنى به في البيت هو الفطنة وسرعة الفهم على معنى ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته أي أفطن لها وأغوص عليها .. انتهى انتهى {أمالي المرتضى} ...