قال - عليه الرحمة:
{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) }
لمَّا ذَكَرَ حديثَ المتقين وما لهم من علوِّ المنزلة انكسرت قلوب العاصين، فَتَدارَك اللَّهُ قلوبهم، وقال لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - أخبر عبادي العاصين أني غفور رحيم، وأني إنْ كنتُ الشكورَ الكريمَ بالمطيعين فأنا الغفورُ الرحيمُ بالعاصين.
ويقال مَنْ سَمِعَ قوله: {أَنِّى أَنَا} بسمع التحقيق لا يبقى فيه مساغٌ لسماع المغفرة والرحمة؛ لأنه يكون عندئذ مُخْتَطَفاً عن شاهده، مُسْتَهَلكاً في أنيته.
{وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) }
العذابُ الأليم هنا هو الفراق، ولا عذابَ فوق في الصعوبة والألم.
{وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) }
أَلا عرَّفهم كيف كانت فتوة الخليل في الضيافة، وقيامه بحقِّ الضيفان، وكان الخليلُ عليه السلام يقوم بنفسه بخدمة الضيفان، فلمَّا سلموا من جانبهم وردَّ عليهم وانْفَضُّوا عن تناولِ طعامِه:
قوله جلّ ذكره: {قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ} .
وَجلون أي خائفون، فإنَّ الإمساكَ عن تناول طعام الكرام موضعٌ للريبة. ولمَّا عَلِمَ أنهم ملائكة خاف أن يكونوا نزلوا لتعذيب قومه إذ كانوا مجرمين. ولكن سكن رَوْعُه.
{قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53) }
فليس لك موضِعٌ للوَجَلِ لكن موضِعٌ لفَرَجِ؛ فإنا جئناك مُبَشِّرين، وإن كُنَّا لغيرِكَ مُعَذِّبين.
نحن {نبشرك بغلام عليم} : أي يعيش حتى يعلم، لأن الطفل ليس من أهل العلم، وكانت بشارتُهم بالوَلَدِ وببقاءِ الولد هي العجب.