ثم ذكر سبحانه أنه عادة أمثال هؤلاء الكفار مع أنبيائهم كذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} أي: رسلاً، وحذف لدلالة الإرسال عليه، أي: رسلاً كائنة من قبلك {فِى شِيَعِ الأولين} في أممهم وأتباعهم وسائر فرقهم وطوائفهم.
قال الفراء: الشيع: الأمة التابعة بعضهم بعضاً فيما يجتمعون عليه، وأصله من شاعه: إذا تبعه.
وإضافته إلى {الأوّلين} من إضافة الصفة إلى الموصوف عند بعض النحاة، أو من حذف الموصوف عند آخرين منهم.
{وَمَا يَأْتِيهِم مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} أي: ما يأتي رسول من الرسل شيعته إلاّ كانوا به يستهزءون، كما يفعله هؤلاء الكفار مع محمد صلى الله عليه وسلم، وجملة {إلاّ كانوا به يستهزءون} في محل نصب على الحال، أو في محل رفع على أنها صفة {رسول} أو في محل جر على أنها صفة له على اللفظ لا على المحل.
{كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ المجرمين} أي: مثل ذلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين برسلهم {نَسْلُكُهُ} أي: الذكر.
{فِى قُلُوبِ المجرمين} ، فالإشارة إلى ما دلّ عليه الكلام السابق من إلقاء الوحي مقروناً بالاستهزاء.
والسلك: إدخال الشيء في الشيء، كالخيط في المخيط، قاله الزجاج، قال: والمعنى كما فعل بالمجرمين الذين استهزءوا نسلك الضلال في قلوب المجرمين.
وجملة {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} في محل نصب على الحال من ضمير {نسلكه} أي: لا يؤمنون بالذكر الذي أنزلناه، ويجوز أن تكون مستأنفة لبيان ما قبلها فلا محل لها، وقيل: إن الضمير في {نسلكه} للاستهزاء، وفي: {لا يؤمنون} به للذكر، وهو بعيد، والأولى أن الضميرين للذكر {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين} أي مضت طريقتهم التي سنّها الله في إهلاكهم، حيث فعلوا ما فعلوا من التكذيب والاستهزاء.