وهب الله لك السلامة. وأدام لك الكرامة، ورزقك الاستقامة، ورفع عنك الندامة.
كتبت إلي - أيدك الله - تسألني عن الحسد ما هو؟ ومن أين هو؟ وما دليله وأفعاله؟ وكيف تعرف أموره وأحواله، وبم يعرف ظاهره ومكتومه، وكيف يعلم مجهوله ومعلومه، ولم صار في العلماء أكثر منه في الجهلاء؟ ولم كثر في الأقرباء وقل في البعداء؟ وكيف دب في الصالحين أكثر منه في الفاسقين؟ وكيف خص به الجيران من بين أهل جميع الأوطان.
والحسد - أبقاك الله - داء ينهك الجسد، ويفسد الود، علاجه
عسر، وصاحبه ضجر. وهو باب غامض وأمر متعذر، وما ظهر منه فلا يداوى، وما بطن منه فمداويه في عناء. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:"دب إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء". وقال بعض الناس لجلسائه: أي الناس أقل غفلة؟ فقال بعضهم: صاحب ليل، إنما همه أن يصبح. فقال: إنه لكذا وليس كذا. وقال بعضهم: المسافر، إنما همه أن يقطع سفره. فقال: إنه لكذا وليس كذا. فقالوا له: فأخبرنا بأقل الناس غفلة. فقال: الحاسد، إنما همه أن ينزع الله منك النعمة التي أعطاكها، فلا يغفل أبداً.
ويروى عن الحسن أنه قال: الحسد أسرع في الدين من النار في الحطب اليابس.
وما أتي المحسود من حاسده إلا من قبل فضل الله عنده ونعمه عليه قال الله عز وجل:"أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً".
والحسد عقيد الكفر، وحليف الباطل، وضد الحق، وحرب البيان. فقد ذم الله أهل الكتاب به فقال:"ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم".
منه تتولد العداوة، وهو سبب كل قطيعة، ومنتج كل وحشة، ومفرق كل جماعة، وقاطع كل رحم بين الأقرباء، ومحدث التفرق بين القرناء، وملقح الشر بين الخلطاء، يكمن في الصدر كمون النار في الحجر.