{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) }
استئناف ابتدائي لإبطال جزء من كلامهم المستهزئين به، إذ قالوا: {يا أيها الذي نزل عليه الذكر} [سورة الحجر: 6] ، بعد أن عجل كشف شبهتهم في قولهم: {لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين} [سورة الحجر: 7] .
جاء نشر الجوابين على عكس لفّ المقالين اهتماماً بالابتداء بردّ المقال الثاني بما فيه من الشبهة بالتعجيز والإفحام، ثم ثُني العنان إلى ردّ تعريضهم بالاستهزاء وسؤال رؤية الملائكة.
وكان هذا الجواب من نوع القول بالموجب بتقرير إنزال الذكر على الرسول مجاراة لظاهر كلامهم.
والمقصود الردّ عليهم في استهزائهم، فأكد الخبر بإنا وضمير الفصل مع موافقته لما في الواقع كقوله: {قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [سورة المنافقون: 1] .
ثم زاد ذلك ارتقاء ونكاية لهم بأن منزل الذكر هو حافظه من كيد الأعداء؛ فجملة وإنا له لحافظون معترضة، والواو اعتراضية.
والضمير المجرور باللام عائد إلى {الذكر} ، واللام لتقوية عمل العامل لضعفه بالتأخير عن معموله.
وشمل حفظه الحفظ من التلاشي، والحفظ من الزيادة والنقصان فيه، بأن يسّر تواتره وأسباب ذلك، وسلّمه من التبديل والتغيير حتى حفظته الأمّة عن ظهور قلوبها من حياة النبي صلى الله عليه وسلم فاستقرّ بين الأمّة بمسمع من النبي صلى الله عليه وسلم وصار حفّاظه بالغين عدد التواتر في كل مصر.
وقد حكى عياض في"المدارك": أن القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد المالكي البصري سئل عن السرّ في تطرق التغيير للكتب السالفة وسلامة القرآن من طرق التغيير له.
فأجاب بأن الله أوكل للأحبار حفظ كتبهم فقال: {بما استحفظوا من كتاب الله} [سورة المائدة: 44] وتولى حفظ القرآن بذاته تعالى فقال: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون.