(فصل آخر: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) }
وتأمل إيثاره التعبير بضمير التكلم: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا} {وَإِنَّا لَهُ} وما وراء ذلك من تأكيد الحفظ وبث الطمأنينة في نفس المؤمن.
{وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ ... (22) }
أيضًا يقول المولى - سبحانه وتعالى - فيما يدل على أن مجاز الاستعارة فيه ما فيه من التشخيص - تشخيص المعاني وتجسيدها - قوله: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ}
فقد خلعت الآية على الرياح صفات الحيوانية التي من صفاتها التلقيح والتوالد.
{إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60) }
ومنه: إسناد الفعل إلى ما له مزيد اختصاص وقربى بالفاعل الحقيقي كما في قوله تعالى: {إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ}
فقد أسند الفعل: {قَدَّرْنَا} إلى ضمير المتكلمين وهم الملائكة مع أن التقدير لله وحده، وذلك من قبيل إسناد الفعل إلى ما له مزيد اختصاص وقربى من الفاعل الحقيقي كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا وأمرنا بكذا مع أن المدبر والآمر هو الملك لا هم، وإنما يظهرون بذلك اختصاصهم بهم وأنهم لا يتميزون عنه كذا ذكره (الكشاف) .
{وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) }
فقد أبهمت الآية ما قُضي به إلى لوط - عليه السلام - {ذَلِكَ الْأَمْرَ} ثم فصلته وبينته {أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ} ففي الإبهام إثارة للمخاطب وتحريك لفكره، فيتطلع إلى إيضاح ما أبهم، وعندئذ يأتي الإيضاح، فيتقرر المعنى في ذهن المخاطب ويقع موقعه، وفي هذا تفخيم وتهويل للعذاب الذي حل بهم؛ لأنه ذُكر مرتين؛ مرة على طريق الإجمال والإبهام ومرة على طريق التفصيل والإيضاح، والشيء إذا ذُكر مرتين كان آكد في النفس وأشد تعلقًا والتصاقًا بالنفس.
{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) }
ثم إن هناك استعارة محسوس لمعقول، ولا يكون الجامع فيها إلا عقليًّا كقوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}