قوله - جلَّ جلالُه - فيما حكاه من إبليس لعنه الله: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) .
وفي موضع آخر من كتابه قال: (فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)
(ما) في قوله:"رب"بما اسم معناه: رب، فبالذي أغويتني، يعني: من
قدرتك على ذلك وعلمك السابق منك فيَّ ومضاء مشيئتك في ذلك بذلك أرغب
إليك، وأسالك أن تجعل إليَّ إغواءهم، ويكون معنى كلامه: رب بالذي أغويتني
لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين، وهذا الوجه يظهر على تأويل قوله:
(فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) . وفي قوله: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) .
وعلى هذا فهي زعامة منه - لعنه الله - وعلى ظاهر قوله في سورة الأعراف
وسورة الحجر سؤال منه ورغبة إلى ربه؛ لينفذ له مراده في ذرية آدم، يقول: بما
أغويتني وأضللتني بذلك أستعين على إنفاذ ما جعلته إليَّ واستعملتني فيه من إغواء
من سبقت مشيئتك له بذلك، والتزيين إليه كما بذلك أغويتي وأضللتني وزينت إليَّ
مخالفتك.
يقول الله جل ذكره: (هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ(41) . استقامة الصراط
ألا يكون لله شريك في ملكه، ولا وزير ولا ظهر في تدبيره، ولا مناقض لقضائه،
ولا راد لأمره، ولما سأله الفطرة وفهم أن الله - عز وجل - هو الذي زين وقدر له مخالفته
وعصيانه بدا ذلك من قول الله - جلَّ جلالُه - في قوله: (مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ(32)
الحجر: [ .... ] سأله قدرته على ذلك وعلى تدبيره الأمر كله أن يجعل على
يديه إغواء من سبق علمه له لذلك؛ إذ هو [ ... ] في عباده من يسلك به سبيل
الضلال.
قال الله عند ذلك: (هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) أي: إن هذا ليس بشرك في
ملكي ولا تعقب على أمري، أنا قدرت الخير والشر والكفر والإيمان والطاعة