49 -نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ):
بعد أَن ذكر الله تعالى في الآيات السابقة ما توعد به الغاوين من عذابه، وما وعد به المتقين من ثوابه، أَكد سبحانه في هذه الآية وعده ووعيده، بما اتصف به من عظيم مغفرته وواسع رحمته وشديد عقابه، تقريرًا لما ذكر، وتمكينا له في النفوس: فأَمر رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بأَن يبلغ أُمته جميعًا - المتقين منهم وغير المتقين - أَن الله تبارك وتعالى هو العظيم الغفران، الواسع الرحمة.
كما أمره أن يبلّغهم أن عذاب الله هو العذاب الأليم، أي البالغ الغاية في الشدة والإيلام لا يشبهه عَذَاب غيره ولا يدانيه، فقال جلَّ وعلا:
50 - {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) } :
وفى معنى الآيتين قوله سبحانه: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} . وفى هذا المعنى يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه:"إن الله تعالى خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة؛ فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة: فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة، لم ييئس من الجنة؛ ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب، لم يأمن من النار". وقد نبهت الآيتان على مقامي الرجاء والخوف، ولابد للعبد من الجمع بينهما؛ وينبغي أن يكونا سواء ما دام العبد صحيحا معافى؛ فإن المبالغة في الرجاء تفضي به إلى تسويف الصالحات أو إهمالها؛ والمبالغة في الخوف تفضي به إِلى القنوط واليأس! وخير الأمور أوساطها.