وقيل يُغلِّب الخوف على الرجاء في حال صحته، فأما إذا مرض فلْيغلِّب الرجاء على الخوف حتى إذا دنت أمارات الموت فليكن رجاؤُه في ربه وإحسان الظن به مَحضًا خالصًا، ولا سيما حال احتضاره؛ فإنه حينئذ قادم على رب كريم ذي فضل عظيم سبقت رحمتُه غضبَه وعذابه، وقد روى مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصارى رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل"وروى مسلم عن جابر أيضًا. قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"يُبعث كل عبد على ما مات عليه". وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتى سبقت غضبي".
ولعل في تقديمه سبحانه الوعد على الوعيد - مع زيادة في تأْكيد الوعد - تنبيهًا على هذا الفضل.
ولما أَجمل الله سبحانه وعده ووعيده في الآيتين السابقتين، فصّل بعض ما أَجمل في الآيات التالية فذكر طائفة من أَنباءِ رحمته وعذابه مما وقع في هذه الدار، عبرة وتذكرة لما يكون في الدار الآخرة، ساقها سبحانه ممثلة في قصة خليله إِبراهيم وبشارته، ونبيه لوط ونجاته، وأَصحاب الأَيكة وأَصحاب الحجر، وما حل بهم جميعًا من عذاب لا تزال آثاره باقية مرئية. وبدأَ بقصة أَبي الأَنبياءِ صلوات الله وسلامه عليهم، فقال آمرًا نبِيه صلى الله عليه وسلم:
51 - (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ) : أَي أَخبر أُمتك أَيها النبي عن ضيف إِبراهيم خليله؛ ليعتبروا بما جرى له ولابن أَخيه لوط عليهما السلام من البشرى في تضاعيف الخوف - على ما يأْتى بيانه - والمراد بضيف إِبراهيم: رسل من الملائكة أَرسلهم الله تعالى في صور بشر إِلى قوم لوط ليهلكوهم، ومروا في طريقهم بإِبراهيم ليبشروه بغلام عليم، وبهلاك القوم المجرمين - وهم - على ما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما - جبريل وملكان معه، وقيل أَكثر من ملكين، على خلاف بين المفسرين، مع اتفاقهم على أَن جبريل عليه السلام أَولهم. وكانوا في صور شبان حسان الوجوه.