(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) }
العزلة عن الخلق سبب طيب العيش.
ولا بد من مخالطة بمقدار، فدار العدو واستحله، فربما كادك فأهلكك.
وأحسن إلى من أساء إليك، واستعن على أمورك بالكتمان، ولتكن الناس عندك معارف، فأما أصدقاء فلا.
لأن أعز الأشياء وجود صديق، ذاك أن الصديق ينبغي أن يكون في مرتبة مماثل.
فإن صادفته عامياً لم تنتفع به لسوء أخلاقه وقلة علمه وأدبه، وإن صادفت مماثلاً أو مقارباً حسدك.
وإذا كان لك يقظة تلمحت من أفعاله وأقواله ما يدل على حسدك: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} .
وإذا أردت تأكيد ذلك فضع عليه من يضعك عنده، فلا يخرج إليه إلا بما في قلبه.
فإن أردت العيش فابعد عن الحسود لأنه يرى نعمتك فربما أصابها بالعين.
فإن اضطررت إلى مخالطته فلا تفش إليه سرك ولا تشاوره، ولا يغرنك تملقه لك، ولا ما يظهره من الدين والتعبد، فإن الحسد يغلب الدين.
وقد عرفت أن قابيل أخرجه الحسد إلى القتل. وأن إخوة يوسف باعوه بثمن بخس.
وكان أبو عامر الراهب من المتعبدين العقلاء، وعبد الله بن أبي من الرؤساء، أخرجهما حسد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النفاق وترك الصواب.
ولا ينبغي أن تطلب لحاسدك عقوبة أكثر مما هو فيه، فإنه في أمر عظيم متصل لا يرضيه إلا زوال نعمتك.
وكلما امتدت امتد عذابه، فلا عيش له، وما طاب عيش أهل الجنة إلا حين نزع الحسد والغل من صدورهم.
ولولا أنه نزع تحاسدوا وتنغص عيشهم. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...