قول الله - تعالى ذِكْره:
"رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" [الحجر 2: 3] .
"رُبَمَا"قرأها نافع وعاصم بتخفيف الباء، وقرأ الباقون بتشديدها، وهُمَا لغتان، فأهل الحجاز يخفِّفون، وتميم وربيعة وقيس يثقِّلون.
فأمَّا قراءة من قرأ بالتخفيف، فلأنَّه حرف مضاعف، والحروف المضاعفة قد تُخفَّف، نَحْو: إنَّ، وأنَّ، ولكنَّ؛ فقد خفَّ كلُّ واحدٍ من هذه الحروف، وليس كلُّ المُضاعَف يُخَفَّف، نحو"ثمَّ"لَمْ يُحْكَ فيه التخفيف، وقال أبو علي الفارسيُّ: مِن الحروف ما دخل عليه حرف التأنيث، نحو: رُبَّ: ربَّت، وثَمَّ: ثَمَّت، ولا: لات؛ اهـ.
وفي"رُبَّ"لغات: رب، وربت، وربما، وربتما، بضم الراء فيهنَّ مع تشديد الباء، وبضمِّها مع تخفيف الباء، وبفتح الرَّاء مع تخفيف الباء، ورُبٌ، بضمَّتَيْن، ورُبْ بضمِّ الرَّاء وسكون الباء، كمُذْ، فهذه أربع عشرة لغة، وقد جعل فيها بعضهم سبعين لُغَة، ذكَرَها المرتضى في"شرح القاموس".
وهي حرف جَرٍّ عند سيبويه، فلا تدخل إلاَّ على الأسماء، فإذا أُريدَ إدخالُها على الفعل أُلْحِق بها"ما"؛ لتهْيِئتها للدُّخول على الفعل، و"ما"هذه على وجهين:
أحدهما: أن تكون نكرة بمعني شيء، كقول الشاعر:
رُبَّمَا تَكْرَهُ النُّفُوسُ مِنَ الْأَمْ
رِ لَهُ فُرْجَةٌ كَحَلِّ العِقَالِ
فـ"ما"في هذا البيت اسم؛ بدليل عود ضمير"له"عليه. والضمير إنما يعود على الأسماء، مثل"ما"في قوله تعالى:"أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ" [المؤمنون: 55] ، فعَوُد الضَّمير في"به"دلَّ على أنها اسم، ويدلُّ لذلك أيضًا أنَّ"مَن"تقع من"رُبَّ"موقع"ما"كقول الشاعر:
يَا رُبَّ مَنْ يُبْغِضُ أَذْوَادَنَا
رُحْنَ عَلَى بَغْضَائِهِ وَاغْتَدَيْنْ