{فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ}
تثبيت له صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه من الثقة بالله سبحانه والتيقن بانجاز وعده تعالى بتعذيب الظالمين المقرون بالأمر بانذارهم كما يفصح عنه الفاء، وقال الطيبي: واستحسنه التلميذ أنه يجوز أن يحمل الوعد على المفاد بقوله تعالى: {وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ} [إبراهيم: 46] وقد جعله وجهاً آخر لما ذكره الزمخشري من تفسير له بقوله تعالى: {أَنَاْ جَاءتْ رُسُلُنَا} [غافر: 51] و {كَتَبَ الله لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى} [المجادلة: 21] وفيه نظر لأنه لا اختصاص لذلك كما قيل بالعذيب لا سيما الأخروي، وإضافة {مُخْلِفَ} إلى الوعد عند الجمهور من إضافة اسم الفاعل إلى المفعول الثاني كقولهم: هذا معطى درهم زيداً، وهو لما كان يتعدى إلى اثنين جازت إضافته إلى كل منهما فينصب ما تأخر، وأنشد بعضهم نظيراً لذلك قوله:
ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه ... وسائره باد إلى الشمس أجمع
وذكر أبو البقاء أن هذا قريب من قولهم: يا سارق الليلة أهل الدار.
وفي"الكشاف"أن تقديم الوعد ليعلم أنه تعالى لا يخلف الوعد أصلاً كقوله سبحانه: {لاَ يُخْلِفُ الميعاد} [آل عمران: 9] ثم قال جل شأنه: {رُسُلَهُ} ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً وليس من شأنه إخلاف المواعيد كيف يخلف رسله الذين هم خيرته وصفوته.
ونظير فيه ابن المنير بأن الفعل إذا تقيد بمفعول انقطع احتمال إطلاقه وهو هنا كذلك فليس تقديم الوعد دالاً على إطلاق الوعد بل على العناية والاهتمام به لأن الآية سيقت لتهديد الظالمين بما وعد سبحانه على ألسنة رسله عليهم السلام فالمهم ذكر الوعد وكونه على ألسنة الرسل عليهم السلام لا يتوقف عليه التهديد والتخويف.