قال ابن عباس: هذا الخطاب مع كفار مكة ، يريد أميتكم يا معشر الكفار ، وأخلق قوماً خيراً منكم وأطوع منكم.
ثم قال: {وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ} أي ممتنع لما ذكرنا أن القادر على إفناء كل العالم وإيجاده بأن يكون قادراً على إفناء أشخاص مخصوصين وإيجاده أمثالهم أولى وأحرى ، والله أعلم.
{وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ}
اعلم أنه تعالى لما ذكر أصناف عذاب هؤلاء الكفار ثم ذكر عقيبه أن أعمالهم تصير محبطة باطلة ، ذكر في هذه الآية كيفية خجالتهم عند تمسك أتباعهم وكيفية افتضاحهم عندهم.
وهذا إشارة إلى العذاب الروحاني الحاصل بسبب الفضيحة والخجالة ، وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
برز معناه في اللغة ظهر بعد الخفاء.
ومنه يقال للمكان الواسع: البراز لظهوره ، وقيل في قوله: {وَتَرَى الأرض بَارِزَةً} [الكهف: 47] أي ظاهرة لا يسترها شيء ، وامرأة برزة إذا كانت تظهر للناس.
ويقال: برز فلان على أقرانه إذا فاقهم وسبقهم ، وأصله في الخيل إذا سبق أحدها.
قيل: برز عليها كأنه خرج من غمارها فظهر.
إذا عرفت هذا فنقول: ههنا أبحاث:
البحث الأول: قوله: {وَبَرَزُواْ} ورد بلفظ الماضي وإن كان معناه الاستقبال ، لأن كل ما أخبر الله تعالى عنه فهو صدق وحق ، فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود ونظيره قوله: {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة} [الأعراف: 50] .
البحث الثاني: قد ذكرنا أن البروز في اللغة عبارة عن الظهور بعد الاستتار وهذا في حق الله تعالى محال ، فلا بد فيه من التأويل وهو من وجوه: الأول: أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خاف على الله تعالى ، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله تعالى عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية.