فصل فِي أسرار ترتيب سور القرآن
قال الإمام أبو جعفر ابن الزبير:
سورة النحل
هذه السورة في التحامها بسورة الحجر مثل الحجر بسورة إبراهيم من غير
فرق، لما قال تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)
(وقال بعد ذلك في وعيد المستهزئين"فسوف يعلمون"
أعقب هذا ببيان تعجيل الأمر فقال تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ)
وزاد هذا بيانا قوله سبحانه وتعالى: (عَمَّا يُشْرِكُونَ)
فنزه سبحانه نفسه عما فاهوا به في استهزائهم وشركهم وعظيم بهتهم واتبع ذلك تنبيها وتعظيما فقال: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(3)
ثم أتبع ذلك بذكر ابتداء خلق الإنسان وضعف جبلته"خلق الإنسان من نطفة). ثم أبلغه تعالى حدا يكون منه الخصام والمحاجة، كل ذلك ابتلاء"
منه واختبار ليميز الخبيث من الطيب، وأعقب هذا بذكر بعض ألطافه
(سبحانه) في خلق الأنعام وما جعل فيها من المنافع المختلفة وما هو سبحانه
عليه من الرأفة والرحمة اللتين بهما أخر العقوبة عن مستوجبها، وهدى من لم
يستحق الهداية بذاته بل كل هداية فبرأفة الخالق ورحمته، ثم أعقب ما ذكره بعد من خلق الخيل والبغال والحمير وما في ذلك كله قوله:"ولو شاء لهداكم أجمعين"
فبين أن كل الواقع من هداية وضلال، خلقه وفعله، وأنه أوجد الكل
من واحد وابتدأهم ابتداء واحدا"خلق الإنسان من نطفة"، فلا بعد في
اختلاف غاياتهم بعد ذلك، فقد أرانا سبحانه مثال هذا الفعل ونظيره في قوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ(10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) . انتهى انتهى. {البرهان فِي تناسب سور القرآن صـ 242 - 243} .