قَوْلُه تَعَالَى: (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا ...(30)
قوله: (يعني الْمُؤْمنينَ) أي الْمُرَاد بالتَّقْوَى المرتبة الأولى وهي الاتقاء عن الشرك المخلد.
قوله:(أي أنزل خيرًا، وفي نصبه دليل على أنهم لم يتلعثموا في الجواب، وأطبقوه على
السؤال معترفين بالإِنزال على خلاف الكفرة)التلعثم التوقف في الْكَلَام وفي غيره. قوله
وأطبقوه عَلَى السؤال فمحل ماذا النصب بقرينة نصب الْجَوَاب تفيد العلم بذلك، وأما نصب
الْجَوَاب فسببه الخارجي نصب محل ماذا فلا دور.
قوله:(روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام المواسم من يأتيهم بخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم،
فإذا جاء الوافد من المقتسمين قالوا له ما قَالُوا)أيام المواسم، والْمُرَاد موسم الحج وهو
سوقهم ومجتمعهم من الوسم وهو العلامة، والْمُرَاد بالمقتسمين الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ
عِضِينَ. كما مرَّ في أواخر سورة الحجر. واختار كون القائلين أساطير الأولين المقتسمين
وقد مرَّ التَّعْبير عنه بـ قيل الخ.
قوله: (وإذا جاء الْمُؤْمنينَ قَالُوا له ذلك) أي وإذا جاء الوافد وقال ما أنزل ربكم
قَالُوا له ذلك أي خيرًا. قوله: وقيل عطف عَلَى قوله وإذا قيل لهم قيل وإنما رفع الأول
ونصب الثاني فرقًا بين جواب الجاحد وجواب المقر أي أن المتقين لم يتلعثموا
وأطبقوا السؤال عَلَى الْجَوَاب بينا مكشوفًا، والمشركون عدلوا بالْجَوَاب عن السؤال
فقَالُوا هُوَ أساطير الأولين وليس من الْإنْزَال في شيء انتهى. والمقرر في النحو أن في
ماذا وجهان. أحدهما: أن يكون ما اسم اسْتفْهَام وذا اسم موصول بمعنى الذي وتقديره
أي شيء الذي الخ. والمطابق في الْجَوَاب الرفع ليطابق الْجَوَاب السؤال في كون كل
منهما جملة اسمية. والثاني: أن يكون ماذا اسمًا واحدًا مركبًا للاسْتفْهَام بمعنى أي شيء
محله النصب فينصب جوابه ليطابقه في الْجُمْلَة الفعلية فإذا تقرر هذا فعلم أن الْجَوَابين
كلامهما مطابقان السؤال فما معنى قولهم وأطبق الْمُؤْمنُونَ السؤال عَلَى الْجَوَاب دون
الْمُشْركينَ، إلا أن يقال إن نصب خيرًا بجعله مَفْعُولًا به لـ أنزل هُوَ الظَّاهر السابق إلَى
الفهم المطابق للسؤال بخلاف الرفع فإنه خلاف الظَّاهر؛ إذ الظَّاهر كون السؤال جملة
فعلية، ولما كان الْجَوَاب جملة اسمية عَلَى تقدير الرفع لم يكن الْجَوَاب مطابقًا للسؤال
ظاهرًا وإن كان مطابقًا له في نفس الأمر كما عرفته لكن لا يخلو عن كدر.
قوله: (مكافأة في الدُّنْيَا) فيده بها لمقابلتها قوله: (ولدار الْآخرَة) في
هذه الدنيا متعلق بـ أحسنوا ويقدر مثله لقوله حسنة. في قوله مكافأة تنبيه عَلَى أن هذه الدار
دار الْجَزَاء في الْجُمْلَة كما ذكرناه سابقًا وهي استحقاق المدح والثناء والظفر عَلَى الأعداء
والرزق الواسع والصيت الحسن. قوله خير منها لدوامها وصفاتها، وأما الجنة الدنيوية فزائلة
ومشوبة بالإكدار والأحزان.
قوله: (ولثوابهم في الْآخرَة خير منها، وهو عدة للذين اتقوا عَلَى قولهم) بيان ارتباطه