30 -ثم أتبع أوصاف الأشقياء بأوصاف السعداء فقال: {وَقيِلَ} روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام موسم الحج من يأتيهم بخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون الذين اقتسموا طرق مكة، وأمروه بالانصراف، وقالوا: إن لم تلقه كان خيرًا لك، فإنه ساحر كاهن كذاب مجنون، فيقول: أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي دون أن استطلع أمر محمد وأراه، فيلقرأ صحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فيخبرونه بصدقه، فذلك قوله: {وَقِيلَ} ، أي: من طرق الوافدين {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا} عن الكفر والشرك، وهم المؤمنون المخلصون {مَاذَا} ؛ أي: أي شيء، فهو مفعول قوله: {أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} ؛ أي: أي شيء أنزل ربكم على محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟
{قَالُوا} ؛ أي: قال المتقون في جواب سؤال الوافد: أنزل ربنا {خَيْرًا} .
وهو اسم جامع لكل خير ديني ودنيوي وأخروي ظاهري معنوي، وفي تطبيق الجواب بالسؤال إشارة إلى أن الإنزال واقع، وأنه نبي حق، وقرأ زيد بن علي {خَيْرٌ} بالرفع: أي: المُنْزَلُ خيرٌ، كما في"البحر".
قال الثعلبي: فإن قيل: لم ارتفع الجواب في قوله: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} وانتصب في قوله: {خَيْرًا} ؟
فالجواب أن المشركين لم يؤمنوا بالتنزيل، فكأنهم قالوا: الذي يقوله محمد هو أساطير الأولين، والمؤمنون آمنوا بالنزول فقالوا: أنزل خيرًا اهـ.
والمعنى: أي وقيل للذين خافوا عقاب ربهم: أي شيء أنزله ربكم؟ قالوا: أنزل خيرًا وبركة ورحمة لمن اتبع دينه، وآمن برسوله، وقوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا} قيل: هذا من كلام الله عن وجل، وقيل: هو حكاية لكلام الذين اتقوا، فيكون على هذا بدلًا من {خَيْرًا} وعلى الأول يكون كلامًا مستأنفًا مسوقًا للمدح للمتقين.
والمعنى: للذين أحسنوا أعمالهم وأخلصوا، وقالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإنه أحسن الحسنات وأسُّ الديانات.