{أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) }
قوله تعالى:
{أَفَأَمِنَ...} [النحل: 45] .
عبارة عن همزة الاستفهام التي تستفهم عن مضمون الجملة بعدها. . أما الفاء بعدها فهي حَرْف عَطْف يعطف جملة على جملة. . إذن: هنا جملة قبل الفاء تقديرها: أجهلوا ما وقع لمخالفي الأنبياء السابقين من العذاب، فأمِنُوا مكر الله؟
أي: أن أَمْنهم لمكر الله ناشئٌ عن جهلهم بما وقع للمكَذِّبين من الأمم السابقة.
ثم يقول تعالى: {مَكَرُواْ السيئات... .} [النحل: 45] .
المكر: هو التبييت الخفيّ للنيْل ممَّنْ لا يستطيع مجابهته بالحق ومجاهرته به، فأنت لا تُبيِّت لأحد إلا إذا كانت قدرتُك عاجزة عن مُصَارحته مباشرة، فكوْنُك تُبيّت له وتمكر به دليل على عَجْزك؛ ولذلك جعلوا المكر أول مراتب الجُبْن؛ لأن الماكر ما مكر إلا لعجزه عن المواجهة، وعلى قَدْر ما يكون المكْر عظيماً يكون الضعف كذلك.
وهذا ما نلحظه من قوله تعالى في حَقِّ النساء: {كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ. .} [يوسف: 28] .
وقال في حَقِّ الشيطان: {إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً} [النساء: 76] .
فالمكر دليل على الضعف، وما دام كَيْدهُن عظيماً إذن: ضَعْفُهن أيضاً عظيم، وكذلك في كيد الشيطان.
وقديماً قالوا: إياك أنْ يملكَك الضعيف؛ ذلك لأنه إذا تمكَّن منك وواتَتْه الفرصة فلن يدعَكَ تُفلت منه؛ لأنه يعلم ضعفه، ولا يضمن أن تُتاحَ له الفرصة مرة أخرى؛ لذلك لا يضيعها على عكس القويّ، فهو لا يحرص على الانتقام إذا أُتيحَتْ له الفرصة وربما فَوَّتها لقُوته وقُدرته على خَصْمه، وتمكّنه منه في أيِّ وقت يريد، وفي نفس المعنى جاء قول الشاعر: