قال العلامة نظام الدين النيسابوري:
التأويل: أن يخسف الله بهم أرض البشرية ودركات السفل أو يأتيهم العذاب بالمكر والاستدراج من حيث لا يشعرون، أنه من أين أتاهم من قبل الأعمال الدنيوية أو من قبل الأعمال الأخروية أو يأخذهم في تقلبهم من أعمال الدنيا إلى أعمال الآخرة بالرياء، ومن أعمال الآخرة إلى أعمال الدنيا بالهوى {أو يأخذهم على تخوّف} تنقص من مقاماتهم ودرجاتهم بلا شعورهم {فإن ربكم لرءُوف} بالعباد إذ أعطاهم حسن الاستعداد {رحيم} حين لا يأخذهم بعد إفساد الاستعداد في الحال لعلهم يتوبون في المآل فيقبل توبتهم بالفضل والنوال. ما خلق الله من شيء وهو عالم الأجسام فإن عالم الأرواح خلق من لا شيء يتفيأ ظلاله، فإن الأجسام ظلال الأرواح فتارة تميل بعمل أهل السعادة إلى أصحاب اليمين، وأخرى تميل بعمل أهل الشقاء إلى أصحاب الشمال {سجداً لله} منقادين لأمره مسخرين لما خلقوا لأجله. وإنما وحد اليمين وجمع الشمال لكثرة أصحاب الشمال، وسجود كل موجود يناسب حاله كما أن تسبيح كل منهم يلائم لسانه {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين} أراد بالإله الآخر الهوى لقوله صلى الله عليه وسلم:"ما عبد إله أبغض على الله من الهوى" {ويجعلون} يعني أصحاب النفوس والأهواء {لما لا يعلمون} لمن لا علم لهم بأحوالهم {نصيباً} بالرياء {مما رزقناهم} من الطاعات {تالله ليسئلن عما كنتم تفترون} والسؤال عن المعاملات إنما هو بتبديل الصفات وتغير الأحوال من سمة السعادة إلى سمة الشقاوة وبالعكس {ويجعلون لله البنات} أظن أن البنات إشارة إلى صفات فيها نوع نقص كالتجسيم والتشبيه والحلول والاتحاد، ونسبته إلى الظلم والجور والتعطيل وعدم الاستقلال بالتأثير وغير ذلك مما لا يليق بغاية جلاله ونهاية كماله فلهذا قال سبحانه: {ولهم ما يشتهون} يعني أن كل أحد يجب أن يوصف بغاية الكمال ويتغير وجهه إذا نبه على عيب فيه ولا يعلم أن مطلق الكمال لا يليق إلا بالواجب بالذات
، ونفس الإمكان نقصان يستلزم جميع النقصانات والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 4 صـ 272 - 273}