[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(2) باب النَّهْيِ عَنْ تَشَبُّهِ الحُرِّ بِالرَّقِيقِ وَعَكْسِهِ
للعلَّامة/ نجم الدين الغزي
أما الحر بالرقيق فهو على قسمين:
القسم الأوَّلُ: أن يُرِقَّ الْحُرُّ نفسه؛ بأن يصادق غيره أنه عبدُه , وهو كبيرةٌ من الكبائر.
روى الإسماعيلي في"معجمه"عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ثَلاثَةٌ لا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَومَ القِيامَةِ؛ حُرٌّ باعَ حُرًّا، وَحُرٌّ باعَ نَفْسَهُ، وَرَجُلٌ أَبْطَلَ كِراءَ أَجِير حِينَ جَفَّ رَشْحُهُ".
وأما مصادقة الخضر عليه السلام للمسكين الذي باعه بأربع مئة درهم وانتفع بها، فليس ذلك من شريعتنا، بل هو من قبيل ما اتفق له مع موسى عليه السلام من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار بغير قول، وهو من العلم الذي قال فيه الخضر لموسى عليه
السلام:"إني على علم عَلَّمنيه الله تعالى لا تعلمه"، كما في"البخاري"، وغيره.
روى الطبراني - ورجاله موثوقون - عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"أَلا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ الْخَضِر عَلَيْهِ السَّلامُ؟".
قالوا: بلى.
قال:"بَيْنَما هُوَ ذاتَ يَومٍ يَمْشِي فِي سُوقِ بَنِي إِسْرائِيلَ أَبْصَرَهُ رَجُلٌ مُكاتبٌ فَقالَ: تَصَدَّقْ عَلَيَّ بارَكَ اللهُ فِيكَ."
فَقالَ الْخَضِرُ: آمَنْتُ بِاللهِ، ما شاءَ اللهُ مِنْ أَمْرٍ يَكُونُ، ما عِنْدِي شَيْء أعْطِيكَهُ.
فَقالَ الْمِسْكِينُ: أَسْألكَ بِوَجْهِ اللهِ لَما تَصَدَّقْتَ عَلَيَّ؛ فَإِنيِّ عَرَفْتُ السَّماحَةَ فِي وَجْهِكَ، وَرَجَوْتُ البَرَكَةَ عِنْدَكَ.
فَقالَ الْخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ: آمَنْتُ بِاللهِ! ما عِنْدِي شَيْءٌ أُعْطِيكَهُ إِلاَّ أَنْ تأْخُذَنِي وَتَبِيعَنِي.
فَقالَ الْمِسْكِينُ: وَهَلْ تَسُومُ هَذا؟
قالَ: نعمْ، أقولُ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي بِأَمْر عَظِيم، أَما إِنِّي لأُجِيْبَنَّكَ بِوَجْهِ رَبِّي، بِعْنِي.
قالَ: فَقَدَّمَهُ، فَباعَهُ بِأَرْبَعِ مِئَةِ درْهَم، فَمَكَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي زَماناً