(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96) }
يَا كَثِيرَ الْخِلافِ, يَا عَظِيمَ الشِّقَاقِ, يَا سيئ الآدَابِ, يَا قَبِيحَ الأَخْلاقِ, يَا قَلِيلَ الصَّبْرِ
يَا عَدِيمَ الْوِفَاقِ, يَا مَنْ سيبكي كثيراً إِذَا انْتَبَهَ وَفَاقَ, وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ. أَيْنَ مَنْ أَنِسَ بِالدُّنْيَا وَنَسِيَ الزَّوَالَ, أَيْنَ مَنْ عَمَّرَ الْقُصُورَ وَجَمَعَ الْمَالَ, تَقَلَّبَتْ بِالْقَوْمِ أَحْوَالُ الأَهْوَالِ, كَمْ أَرَاكَ عِبْرَةً وَقَدْ قَالَ {سَنُرِيهِمْ آياتنا في الآفاق} .
أَيْنَ صَدِيقُكَ الْمُؤَانِسُ, أَيْنَ رَفِيقُكَ الْمُجَالِسُ, أَيْنَ الْمَاشِي فَقِيرًا وَأَيْنَ الْفَارِسُ, امْتَدَّتْ إِلَى الْكُلِّ كَفُّ الْمَخَالِسِ, فَنَزَلُوا تَحْتَ الأَطْبَاقِ.
وَكَأَنْ قَدْ رحلت كما رحلوا, ونزلت وشيكاً حيث نَزَلُوا, وَحُمِلْتَ إِلَى الْقَبْرِ كَمَا حُمِلُوا, إِلَى ربك يومئذ المساق.
مَنْ لَكَ إِذَا أَلَمَّ الأَلَمُ, وَسَكَتَ الصَّوْتُ وَتَمَكَّنَ النَّدَمُ, وَوَقَعَ بِكَ الْفَوْتُ, وَأَقْبَلَ لأَخْذِ الرُّوحِ مَلَكُ الْمَوْتِ, وَجَاءَتْ جُنُودُهُ وَقِيلَ مَنْ راق.
وَنَزَلْتَ مَنْزِلا لَيْسَ بِمَسْكُونٍ, وَتَعَوَّضْتَ بَعْدَ الْحَرَكَاتِ السُّكُونَ, فَيَا أَسَفَا لَكَ كَيْفَ تَكُونُ, وَأَهْوَالُ القبر لا تطاق, وفرق مالك وسكنت الدار, وَدَارُ الْبَلاءِ فَمَا دَارٌ إِذْ دَارَ, وَشَغَلَكَ الْوِزْرُ عَمَّنْ هَجَرَ وَزَارَ, وَلَمْ يَنْفَعْكَ نَدَمُ الرِّفَاقِ.